«الشعب» الرّمز في المشهد الإعلامي الوطني    توقيف مهربين وتجار مخدرات    علي ذراع: “ما حدث لبن فليس جاء في وقت حرج وستفصل فيه العدالة”    19 شخصية وطنية تدعو الى عدم التعرض للمشاركين في الإنتخابات    مجلس المحاسبة: ترشيد النفقات العمومية وإضفاء الشفافية على تسيير الموارد    خيارات متنوعة لاستحداث المؤسسات المصغرة    العاهل السعودي يستقبل رئيس وزراء قطر    ياسين عدلي يؤجّل الفصل في مستقبله الدولي    الحارس صالحي يقترب من الانتقال إلى مولودية الجزائر    قرعة الدور 32 من منافسة كأس الجمهورية تسفر على مواجهات مثيرة    بن فليس : “الموقوف بتهمة التخابر لفائدة قوى أجنبية لا ينتمي لمديرية حملتنا”    عبد الغاني هامل قريبا أمام العدالة    تأجيل التسجيلات في قرعة الحج إلى 15 ديسمبر الجاري    الصحراء الغربية: زيارة الوفود الأجنبية إلى مخيمات اللاجئين يعكس الإصرار على مساندة الشعب الصحراوي    الأزمة الليبية تدخل النفق المظلم وطبول الحرب تقرع    مناهضة العنف الممارس ضد المرأة "أولوية استراتيجية" للجزائر    رئاسيات 12 ديسمبر: دعوة كافة أطياف المجتمع الى الذهاب بقوة الى صناديق الاقتراع (ندوة)    المجتمع المدني الصحراوي يحمل المجتمع الدولي المسؤولية عن تردي الوضع في الأراضي المحتلة    خلال سنة 2017: مجلس المحاسبة ينجز 936 تقريرا رقابيا    48 ساعة قبل يوم الإقتراع .. الطلبة يواصلون التجند لنصرة الحراك الشعبي    حجز 2276 كبسولة أدوية تم تحويلها لاستغلالها كمؤثرات عقلي    أمن ولاية الأغواط يسجل 16 حادث مرور جسماني خلال شهر نوفمبر من هذه السن    نحو إنشاء مناطق صناعية خاصة لتنويع الإنتاج الوطني وتسويق    افتتاح الأيام التاريخية الأولى حول المسيرة البطولية للأمير عبد القادر بتيسمسيلت    تسليم 2400 عقد ملكية لأصحاب السكنات الخاصة والمنجزة بالعاصمة    وكالات السياحة والأسفار مدعوة لسحب دفتر الشروط الخاص بتنظيم الحج    رئيس الوزراء السوداني يكسر جدار العزل الدولي بعد 30 سنة    جائزة الرياضي الإفريقي-2019: اختيار المنتخب الجزائري كأحسن فريق ومحرز كأحسن لاعب    الرئيس التركي رجب طيب أردوغان: أكاديمية نوبل تكافئ انتهاكات حقوق الإنسان    12 و15 و20 سنة حبسا نافذا في حق سلال وأويحيى وبوشوارب .. و”مازال” .. !    نشاطات مكثفة لإبراز قيمة الذكرى بعين تموشنت    غابات بينام ، بوزريعة وزرالدة في العاصمة تتعرض للنهب    رئاسيات 12 ديسمبر: المجلس الدستوري يذكر بالأحكام المتعلقة بممارسة حق الطعن في صحة عمليات التصويت    هبوب رياح قوية على العديد من ولايات شرق الوطن    للمسرح الجهوي‮ ‬لمستغانم    ناسا تعلن عن كشف الجانب المظلم من القمر وحل لغز سطوعه    الوادي: البدو الرحل يشرعون في التصويت بالمكاتب المتنقلة ببلديات الشريط الحدودي    مهنيو الصحة يدعون الى اعتماد الأدوية الجديدة للسكري    أمن قسنطينة : حجز 2276 كبسولة أدوية تم تحويلها لاستغلالها كمؤثرات عقلية    إلياس محمودي‮ ‬بعد الفوز التاريخي‮ ‬ضد لارد سيلا‮:‬    ضمن جهازي‮ ‬أونساج‮ ‬و كناك‮ ‬    نجم الخضر سيغيب حتى نهاية الموسم    هدام: مواجهة البطالة هي الانشغال الأول للقطاع    "موبيليس" يتحصل على الموافقة المؤقتة    انخفاض ب9 بالمائة لواردات مجموعات "أس كا دي"    إنهاء مهام مدير قناة‮ ‬القرآن الكريم‮ ‬    الشيخ عبد الكريم الدباغي يفتي بضرورة المشاركة بقوة في الرئاسيات    «نفتقر إلى إعلام يُروّج وينتقد ويشيد بأعمالنا وإلى منابر ثقافية تحتضن إبداعاتنا»    4 و 8 سنوات حبسا لسمسار وشريكيه ببوتليليس    المنتخب الوطني في تربص مغلق ببني هارون    أدباء ومترجمون جزائريون ينعون صالح علماني    برنامج جزائري على فضائية عربية    "طلامس" يفوز بجائزة أفضل إخراج في المهرجان الدولي للفيلم بمراكش    زعلان لم استقبل دينار واحد وليقول انا شديت عليه مستعد انا نخلص    سلال يبكي بالمحكمة و يصرح : لست فاسد انا بريء !!    بن ڨرينة: سأنصب مفتي الجمهورية وتوحيد المرجعية الدينية في البلاد    بدوي‮ ‬يقرر خلال اجتماع وزاري‮ ‬مشترك‮: ‬    « الحداد »    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الحمالون يعودون إلى الأسواق
أجساد نحيفة تحمل عشرات الكيلوغرامات ب قفة التبضع مقابل دنانير معدودة


زكرياء بعضهم يمنحني حقي و آخرون يأكلون عرق جبيني
بعد مرور أكثر من 40 سنة عن استقلال الجزائر، واختفاء كل مظاهر الاستعباد و''الحڤرة''، اكتشفت ''النهار'' أن ظاهرة الاستعباد مازالت تراوح بعض المناطق وتهين عديد الأطفال، والملفت للانتباه وأنا أتسوق بسوق علي ملاح، هو ظاهرة غريبة لاحت الرجوع كممت فمي عن الكلام وشددّت فكري وانتباهي عن التفكير، لقد تقرب مني طفل في التاسعة عشر من العمر، طالبا مساعدتي في حمل القفة نظير عدد من الدنانير... وقفت مشدوهة، وعدت بذاكرتي إلى الأفلام التي كانت تعرض على شاشة التلفزيون حول الأطفال الذين كانوا يشتغلون أيام الثورة في تلميع أحذية المستعمر، وحمل أغراض زوجات الفرنسيين ''مادلان، ماريا، صونيا..و أخريات كثيرات، غلبتني الدموع لهول ما حدث لقد تأكدت من أن الحاجة بإمكانها أن تفعل الكثير وأن تهين الكرامة الإنسانية بكل دناءة هي الحاجة إذن...نعم..هي حقائق وقفنا عليها فعلا في يوم من أيام رمضان، اشتدت فيه حرارة الطقس، فصدقوا أو لا تصدقوا..هي ظاهرة عادت من جديد إلى مجتمعنا رغم أنها كانت دخيلة عنه طيلة سنين خلت، وحتى وإن عادت بي الذاكرة سنوات عديدة إلى الوراء، يوما كنت أرافق والدي، حفظه الله إلى السوق للتسوق، حين كنت أقف مدهوشة أمام مشهد مؤثر في النفوس..لرجال وشيوخ-أنهكم الفقر والعوز.. يرتدون ملابس بالية قد أكل عليها الدهر وشرب.. يحملون فوق ظهورهم أكياسا مملوءة لا أدري إن كانت مملوءة بالسميد أو الشعير أو غير ذلك..فتجدهم يتنقلون بخطوات متثاقلة من مكان إلى آخر ومن زاوية لأخرى.. في رحلة البحث عن رزق..هم الحمالة الكبار..غير أنني وحين عدت بذاكرتي إلى الوراء تذكرت الأفلام التي كانت تعرض مشاهد الأطفال الذين كانوا يعملون كحمالة في فترة الاستعمار، اتصلت حينها بالمجاهد مصطفى بوقوبة للإدلاء بشهادته حول الموضوع، حين أخذ يروي لي قصة أحد أصدقائه الذي عمل ''حمالا'' طيلة فترة الاستعمار لدى النساء الفرنسيات، حين كان ينهض في الصباح الباكر..فارغ البطن والعقل، ليتوجه مباشرة إلى منزل إحدى الفرنسيات..لينتظر أمام بابها لساعات حاملا بيده قفة فارغة..ينتظر ربما لدقائق وربما لساعات..إلى غاية أن تخرج ''الفرنسية المدللة'' من قصرها..ليفاجئها ''الجزائري المغبون'' بحمل القفة عنها كي لا تثقل كاهلها، ليقوم بعدها بمرافقتها إلى ''المارشي كوفار''..والتنقل معها من مكان لآخر..حاملا كافة مشترياته..ليعود معها إلى المنزل..ليحصل في آخر المطاف على ''قطعة خبز'' يخبئها في قفته الفارغة..مختبئا في أحد الزوايا..ليباشر أكل تلك القطعة من الخبز لوحده..خوفا من أن يراه أصدقاؤه ويحرمونه من اللقمة..قصة هذا الطفل صاحب الثماني سنوات هو اليوم على قيد الحياة بعدما أصبح شيخا قد تجاوز العقد السادس ب7 سنوات..لا تزال راسخة بذهن المجاهد مصطفى بوقوبة والتي ذكّرته بالعديد من القصص لأطفال احترفوا مهنة ''الحمالة'' سنوات الاستعمار الفرنسي. ورغم ذلك لم أصادف في حياتي ''الحمالة الصغار''..لكن الحاجة الماسة بإمكانها أن تخلق في المجتمع ظواهر جديدة حين راودتني فكرة بأن الطبقة المتوسطة في مجتمعنا ستنهار في المستقبل القريب لا محالة..حين أصبح أبناؤنا وأطفالنا يهجرون مقاعد الدراسة في سن مبكرة..يتسكعون في الشوارع..ويمتهنون حرفة الاختلاس السرقة والاعتداء على المواطنين باحترافية كبيرة..لتجد البعض الآخر ممن دفعتهم الظروف الاجتماعية القاهرة إلى الخروج للعمل في أي وظيفية..لأن المهم بالنسبة إليهم هو كسب لقمة العيش..وفي رحلة دامت سويعات فقط، قادتني رفقة المصور سيدعلي إلى سوق علي ملاح بساحة أول ماي..ومباشرة دخلت إلى السوق وكان ذلك في حدود الساعة التاسعة صباحا..فرحت أمشي بخطوات متثاقلة في أروقة السوق وأنا أحمل بيدي حقيبتي الصغيرة تارة أحملها بيدي اليمنى وتارة أخرى بيدي اليسرى..محاولة تركيز نظري في كل ما بحولي..حين شد انتباهي مشهد هؤلاء ''الصائمين'' أغلبهم من النساء والشيوخ..وهم يقومون بالتنقل من تاجر لآخر ومن طاولة لأخرى..يقلبون ''السلع'' تقليبا ..لعلهم سيظفرون في آخر رحلتهم ''بسلعة جيدة'' تسيل لعابهم في الساعات الأولى لصيامهم..وفي تلك اللحظات الخاطفة، أخذت نفسي وتوجهت بها لشراء بعض الحاجيات..فوقفت عند طاولة لبيع القصبر والنعناع والكرافس، والتي كانت مركونة بإحدى زوايا السوق، كان يشرف عليها طفل صغير لا يتجاوز سنه 13 سنة، وأنا أهم باقتناء بعض الحاجيات، اغتنمت الفرصة لأسأله إن كان هناك أطفالا صغار يشتغلون كحمالة لمساعدتي في حمل حاجياتي..فرد علي قائلا:''نعم هناك كثيرون. يا مادام، لا تقلقي على الإطلاق، وفور انتهائك من التسوق سأبعث لك بواحد منهم ليساعدك.''..استغربت حينها لحديث ذلك الطفل وأنا أحاول تكذيب نفسي..فرحت أحدث نفسي وأتمتم في جهر..ماحدث ببلاد المليون ونصف المليون شهيد..فهل انقلبت الموازين ، حين أضحى الأغنياء يعدون على الأصابع مقابل تزايد مستمر لعدد الفقراء..وفجأة سمعت صوتا بريئا يناديني من الخلف، ''راني هنا مادام إذا حبيتي نعاونك''..فتوقفت لحظات قبل أن أستدير..
يغادرون منازلهم في الساعة الرابعة..لاحتراف مهنة ''الحمالة''
لمحت شابا في مقتبل العمر..طويل القامة..نحيف البنية ويبدو عليه أنه لم يأكل منذ أيام..أحول..أسمر البشرة، كان يرتدي قميصا يحمل اللون الأزرق وسروال رياضة أسود اللون، لكن الذي أثر في نفسيتي فعلا.. ولفت انتباهي هو رجلاه اللتان شكلتا طبقات من الوسخ وهو يرتدي خفا أسودا زاد من اسوداد رجليه. .وفي تلك اللحظات رحت أمنحه ذلك الكيس الذي ملأته ببعض المشتريات..فطلبت منه حينها أن يرافقني في تسوقي، مغتنمة الفرصة للتقرب منه والحديث إليه..فلم يرفض طلبي وراح يتجول معي في أرجاء السوق، فرحنا متنقلين بين الطاولة والأخرى، فتارة أطرح عليه بعض الأسئلة من دون أن أثير انتباهه، وتارة أخرى أقوم بشراء بعض مستلزماتي بكميات قليلة جدا..حريصة كل الحرص على عدم إتعابه كيف ولا قد أثقل الفقر والعوز كاهله وهو لا يزال شابا صغيرا..وإن كنتم تودون معرفة المزيد عن هذا''الشاب'' الذي حولته الظروف الاجتماعية القاهرة إلى ''كهل'' رغما عن نفسه..حين أدركت فعلا أنه ليس بإنسان ''طماع'' والحاجة الماسة هي التي دفعته ''للحمالة''..وليس مثله مثل الأشخاص الانتهازيين الذين تجدهم يجتهدون منذ طلوع الشمس وإلى غروبها في الإيقاع بضحاياهم، خاصة من فئة النساء، ''بسيناريوهات بارعة''، كونهم يتامى وفقراء..حين تصادفهم يلهثون وراء دنانير معدودات ويرددون عبارات،''تعيشي مادام أنا يتيم ونخدم على دارنا وبابا مات في الحملة ويما هربت من الدار'' ..وعبارات أخرى قد تجعلك تلين وتضعف أمامها..رغم إدراكك المسبق بأنهم مخادعون وممثلون بارعون من الدرجة الأولى..
زكرياء شاب في مقتبل العمر.. أثقل الفقر كاهله..وداست ''الحمالة'' على كرامته
اسمه زكريا ويبلغ من العمر 19 سنة، يقطن بعين طاية بشرق العاصمة، والذي أكد لنا أنه غادر مقاعد الدراسة في سن مبكرة، حين تحول مباشرة للبحث عن ''لقمة العيش'' لمساعدة والده، وعندما سألناه عن امتهانه لهذه المهنة، راح يحدثنا بعفوية مطأطأ رأسه من شدة حيائه..''غادرت مقاعد الدراسة في سنة ال14 سنة، وبالضبط في السنة الثالثة متوسط، ومنذ ذلك التاريخ، قمت بالالتحاق بسوق علي ملاح للعمل به كحمال منذ طلوع الشمس وإلى غروبها ومن دون انقطاع لعلي سأكسب قليلا من المال''..ولما سألته عن العمل في شهر رمضان، أوضح لي بأنه في الأيام العادية يخرج من المنزل في حدود الساعة الخامسة صباحا من عين طاية مستقلا الحافلة شتاء وصيفا، غير أنه في شهر رمضان ونظرا للتوافد الكبير للمواطنين على السوق، فهو يفضل الخروج من المنزل في حدود الساعة الرابعة صباحا، غير مكترث بالمخاطر التي قد تواجهه..لضمان وصوله للسوق في ساعة مبكرة، والظفر بزبائن كثيرين يعرض عليهم خدماته..حين يقوم بحمل مشترياتهم على كتفه وبين يديه..فالمهم بالنسبة له هو رضا زبائنه عليه.. لعله يحصل على رزق وفير في آخر النهار ليدخل الفرحة إلى قلوب والدته وإخوته الثلاثة. بعضهم يمنحني حقي..وآخرون يأكلون عرق جبيني ورغم أن مهنة ''الحمالة'' قد أتعبته كثيرا في سن التاسعة عشر، حين يلتقي صدفة بالعديد من زملائه الذين نالوا شهادة البكالوريا والتحقوا بمقاعد الجامعة.. إلا أنه يزداد إصرارا يوما بعد يوم لبذل جهد أقوى بغية كسب رزق أوفر..ولما سألناه عن المبلغ المالي الذي يتقاضاه في اليوم، راح يخبرنا بابتسامة عريضة، ''أحيانا أكسب 300 دينار وأحيانا أخرى 600 دينار في اليوم، ورغم المتاعب غير أنني ألتقي دائما بأولاد الحلال الذين يمنحوني حقي، لكني في أحيان أخرى أصادف أناسا لا يخافون الله فيأكلون عرق جبيني


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.