البروفيسور أحمد مُصطفاوي يتحدّث: الذكاء الاصطناعي ثورة حقيقية.. لن تُهدد مكانة الأُستاذ الجامعي * الدول الكبيرة قوية بمؤسساتها.. باقتصاداتها.. بتكنولوجياتها وبتفوقها العسكري التربية والتعليم في زمن الذكاء الاصطناعي والثورة التكنولوجية السريعة من الأسئلة التي يُحاول كثير من الأساتذة في مختلف التخصصات والفروع إيجاد اجابات لها حتى لا تندثر مكانة الأستاذ الذي رغم كل شيء يبقى كيان مُهما وعنُصرا أساسيا في العملية التعليمية فهل أثر ويُؤثر هذا التطور الهائل التكنولوجي على مجال التعليم بمختلف أنواعه؟ وهل صحيح أن مكانة الأستاذ في خطر؟ أسئلة وغيرها طرحناها على البروفيسور بجامعة ابن خلدون - تيارت أحمد مُصطفاوي مُؤلف كتاب Manuel pédagogique- Le Français Pour Les Sience Et Technologies والصادر عن دار قيرطا للنشر والتوزيع . ** في ظل هذه الثورة التكنولوجية السريعة هل ممكن أن يهدد الذكاء الاصطناعي مكانة الأستاذ الجامعي وخاصة أن الجميع يعتمد عليه في البحوث والدراسات؟ * البروفيسور أحمد مُصطفاوي: الذكاء الاصطناعي ثورة حقيقية وربما لم يتوقعها أحد يوما ما بهذه القدرة الفائقة المذهلة ولكن لا أظنه سيهدد مكانة الأستاذ الجامعي الأساسية لو تُرك الأمر للحكماء فمهما كان هذا الذكاء يبقى اصطناعي أي الإنسان الذي صممه أذكى منه وهو ما يدل على عظمة الفكر البشري فالقضية مرتبطة بالتوظيف المناسب والاستغلال الأنسب. أن نقول إنه ليس هناك أخطار هذا من الكذب على النفس وأغلب المتخصصين وحتى صناع الذكاء الاصطناعي يقولون أن خطره على تراجع الذكاء البشري وتدهور الجانب الإنساني الضروري في العملية التربوية محتملان جدا ما لم تُتدارك الأمور. فهو من جهة سيعيد تشكيل الأولويات المهنية ويمكنه أن يكون تتمة لمهام الأستاذ. بتوفيره مصادر معرفية فورية وشاملة للطلاب ومساهمته الفعّالة في دعم البحث العلمي وتحليل البيانات فهو في هذه الحالة يعتبر أداة مساعدة وتبقى هناك قيمٌ أساسية يحتفظ بها الأستاذ الجامعي ولا يمكن للآلة أن تحلّ محلّه فيها. فالأستاذ بحكمته التربوية وخبرته يظلّ حاملاً لواء التوجيه الأكاديمي والتوجيه الأخلاقي والقيمي كحجر أساس حيث يغرس الأستاذ النزاهة العلمية والقيم الأكاديمية وهو دور يتعدى نطاق المعرفة الخام. ولا يقلّ أهميةً عن ذلك التفاعلُ الإنساني القائم على الإرشاد والتحفيز والتواصل العاطفي إلى جانب الخبرة السياقية التي تتيح تطبيق المعرفة في سياقات واقعية ومعقّدة. وبناءً على ذلك فإن المستقبل المحتمل لدور الأستاذ الجامعي يتّجه نحو التحوّل إلى مرشد ومدرب استراتيجي ويبقى الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في المجال الأكاديمي مجرّد أداة مساعدة تعزز الكفاءة لكنها لا تُغني أبداً عن الرؤية النقدية الثاقبة والخبرة التراكمية الإنسانية التي يمتلكها الأستاذ الجامعي والتي تشكّل جوهر العملية التعليمية الحقيقي. مُؤخرا تم فتح مناصب الترشح للدكتوراة في العلوم العلمية والتقنية دون العلوم الانسانية؟ هل ترون أن هذا القرار جيد؟ البروفيسور أحمد مُصطفاوي: القرار حتما جيد وهو يصب في النهج المتبع في سياسة السلطات المعنية لتجسيد الإصلاحات الكفيلة بتغير الواقع ودفع عجلة التمكن العلمي والتكنولوجي. أنا ليست لي أي خبرة في الحكم أو تقييم القرار من فراغ ولكن على مستوى التصور إن كان القرار نابع من إحصائيات تثبت إكتفاء في عدد الدكاترة في ميدان العلوم الإنسانية والإجتماعية فمن المنطقي توجيه العناية للميدان العلمي الذي نحن اليوم في أمس الحاجة إليه إلى زرع ثقافة علمية وتخريج علماء في كل الميادين تماشيا مع ما يتطلبه الاقتصاد العالمي وسوق العمل من كفاءات وخبرات. وإن كان ذلك مصدره تمييز وتفضيل بين الميادين فهذا في نظري خطأ له تبعات على تصور أبنائنا. فالواقع يثبت أن كل الدول الكبيرة قوية بمؤسساتها باقتصاداتها بتكنولوجياتها بتفوقها العسكري ولكن أيضا بأدبائها فنانيها...إلخ وإحترام إختيارات الشباب حسب الميولات والمواهب كفيل بخلق نوع من التوزان لأنه لا يمكن أن نفرض على من له موهبة في الأدب أن يتجه حتما إلى ميدان التكنولوجيا...و لا يمكن أن نميز بينه وبين العلمي...فلكل مجتمع علماؤه شعراؤه أدباؤه. س5 ظاهرة البطالة في أوساط الدكاترة ما هي أسبابها في رأيكم؟ وهل ترون رفضهم المُطلق للعمل خارج أسوار الجامعة قرار صائب؟ وما هو الحل لتشغيل كل هؤلاء؟ البروفيسور أحمد: عدد الدكاترة كعدد الأطباء أو المهندسين أو غيرهم لا بد أن يكون ملائما نسبيا مع عدد الساكنة. لقد كان من الضروري أن يُفتح المجال لتكوين هذه الفئة بالتزامن مع زيادة عدد الجامعات والحمد لله اليوم للجزائر جامعات وتأطير 100 بالمئة جزائري. تبقى قضية الزملاء الدكاترة العاطلين والذين يرغبون في مناصب في الجامعة فهو قرار منطقي ومطلب شرعي للإستفادة من الخدمات التي تكفلها الجامعة للباحث وتوطيد قيمة البحث العلمي وثانيا المحافظة على قيمة الشهادة. كتاب قرأه البروفسيور مصطفاوي ولم يمل منه ويعود اليه؟ الإنسان ذلك المجهول لصاحبة ألكسيس كارل L homme cet inconnu Alexis Carrel.. صراحة هناك كتب يقرأها الانسان ولا يملها أبدا وما دامت في الإطار الخاص تبقى ملكا كالكنز يحتفظ بها المرأ لنفسه ولكن في المجال العام الإنساني والاجتماعي والفكري يُعتبر هذا الكتاب من الكتب التي أثرت فيا لأنه يعلمك أن البشر وإن علموا الكثير عن محيطهم يبقى جهلهم لأنفسهم كبير. كلمة أخيرة.. أود أن أقول أنني منذ التحاقي بالجامعة لم أفكر بصفة أنانية فأنا دائما أضع الجامعة ومصلحة الطلبة في المقام الأول والحمد لله وإن كان بالشيء البسيط. فالعمل بالإرادة حتما له أثر على الإنتاج العلمي ولكن الحمد لله هناك مشاريع أبحاث وكتب في الآفاق وهي مسألة وقت فقط بتوفيق من الله. على كل حال لكم شكر خاص على ما تقومون به. موفقون إنشاء الله. مع تمنياتنا بمزيد من التطور والازدهار لبلادنا الجزائر. ح. و === الدكتورة فاطمة الزهراء مختاري: الذكاء الاصطناعي لن يحل مكان الذكاء البشري * الجامعة دائمًا بيت الحكمة ومَعلَم من معالم الأمل.. نحمله معًا نحو غد أفضل تبقى الجامعة مكان للعلم والتعلم تُساهم في تخرج كفاءات للنهوض بالبلد وتقدمه في مُختلف التخصصات ويبقى الأستاذ الجامعي رغم التطور التكنولوجي السريع الشمعة التي تُنير هذا التطور وترافقه بأساتذة أكفاء حاملين لمشعل العلم ورافعين شعار التحدي مع هذا التطور التكنولوجي الهائل والدكتورة فاطمة الزهرء مُؤلفة كتاب Manuel pour pédagogique- Le Français pour Les Siences Et Technologies والصادر عن دار قيرطا للنشر والتوزيع واحدة من الكفاءات الجامعية في جامعة ابن خلدون بتيارت حيث كان لنا معها هذا الحوار الشيق في مختلف المواضيع التعليمية والتربوية. ** ما هي الأسباب في رأيكم التي جعلت تلميذ اليوم في المراحل التعليمية الثلاث دائما يتدحرج في نقاط الفرنسية؟ وهل ترون أن المنهاج المُقدم في هاته المراحل جيد وملائم لعقول تلامذتنا ومكمل للجامعة؟ الدكتورة فاطمة الزهراء مختاري: تدني النتائج في مادة الفرنسية ليس منعزلاً عن الإشكالات العامة التي تواجه التعليم في الجزائر. حيث هناك مجموعة مترابطة من التحديات الهيكلية والمنهجية والتربوية التي تؤثر على جودة التحصيل في جميع المواد بما فيها اللغة الفرنسي منهاج مكثف طرق تدريس تقليدية وبيئة تعليمية أحيانا صعبة ازدحام الأقسام (يتجاوز 40 تلميذاً في بعض الحالات) مما يضعف تفاعل المدرس مع كل تلميذ ويحد من فرص الممارسة وتقييم الفرد. من جهة أخرى ومن الأشياء التي اقتنعت بها في مشواري هي أن عامل المحيط جد مهم فالعائلة لها الدور الأساسي في مرافقة الأطفال وهذا لا ينفي دور الأستاذ. فالمحيط الذي يترعرع فيه الطفل ان كان يمثل نوع من الحمام اللغوي تتبادل فيه أثناء التخاطب عدة لغات فهذا سيؤثر إيجابا على تحصيل الطفل. فشخصيا مُتأكد أنه هناك إرادة سياسية وإصلاحات جارية لمعالجة هذه القضايا وتحسين جودة التعليم وفعالية هذه الإصلاحات ومدى نجاحها في إعداد تلاميذ مؤهلين للجامعة ستُحدد بمرور الوقت وبمدى شمولية التنفيذ على الأرض. تشجيع تعليم اللغات وإدخال لغات جديدة للجامعة كالروسية والصينية في قسنطينة مهم وخطوة بناءة للتعلم لكن هل هذا سيُؤثر على اللغة الفرنسية وتتدحرج مكانتها لتحل مكانها لغات أُخرى؟ الدكتورة مختاري: لا بد أن ننطلق من مبدأ أهمية اللغات كل اللغات مع التركيز على اللغة الإنجليزية لأنها فرضت نفسها كلغة علم وتكنولوجيا Une lingua franca مع عدم الانسياق وراء الأفكار التي لا صلة لها بالنظرة الموضوعية. فكل اللغات مهمة واللغة الفرنسية لها ثقافة واسعة وأدب ذي صيت عالمي نابعين من ثورة على الجهل وطغيان الكنيسة ورجال الدين بالإضافة إلى الحكم الملكي الجائر والإقطاع. فالأولى ألا نربط اللغات بالحكام لأن كل لغة لها قيمتها ودورها فكل ما تعلم أطفالنا لغة جديدة زاد ذلك في مستواهم المعرفي والثقافي وحصانتهم في عالم المعلوماتية والمعرفة. فالناس اليوم يتعلمون اللغة الصينية التي هي الأولى عالميا إلى جانب الإسبانية والإنجليزية مع أنهم لا يعرفون شيئا عن ما تكنزه هذه اللغة من ثقافة وحضارة بل لكونها اليوم لغة تبادل اقتصادي بامتياز. فالهدف نفعي... وهذا لا يمنع من أن نحافظ على اللغة الفرنسية لأنها بحكم التاريخ موجودة...هي كما قال كاتب ياسين غنيمة حرب ولكنها أيضا لغة جميلة ولها مكانتها والعالم في جوهره متقلب... بالأمس القريب كانت الجزائر تتبع سياسة تعليم جامعي يتكون من ليسانس وماجيستير ودكتوراه بعدها تحولت لسياسة الماستر كأستاذ(ة) جامعي كيف ترون هذا التحول وهل صراحة خدم الجامعة وأهدافها مقارنة بالنظام التعليمي القديم. الدكتورة: أولا على المستوى الشخصي أنا مع النظرة التقدمية أي نحن في عالم يتطور بسرعة مذهلة وأي توقف أو تردد بحجة ماض ما يمكن أن تكون له عواقب. علينا أن نتأقلم ونمضي قدما. فبالنسبة لنظام ال ل.م.د يعتبر ملائما للوضع الحالي وخاصة لأصحاب الفكرة أي البلدان المتطورة بحيث أن تضاعف أعداد الطلبة la massification تعني حتما نقص في قيمة الشهادة وعليه مادام العالم يتجه نحو التخصص La professionnalisation فهو يعتمد على الكفاءات ومن هنا وفي عالم يحكمه الاقتصاد والتجارة يكون التركيز على التكوين المهني وتوحيد التكوين حسب نظام ال ل.م.د في أنحاء العالم لتسهيل تنقل الأشخاص والكفاءات. هذا حتما يخدمهم قبل غيرهم ولكن مادام ليس لنا اختيار فعلينا أن نعمل ونجتهد أكثر. يكون هنا الرهان على ما تقوم به جامعتنا اليوم تشجيع ثقافة المقاولاتية والحوكمة. هكذا يمكن قلب الموازين بجعل مستوى التعليم التعلم مغري إلى حد إبقاء أبنائنا في بلدهم في أريحية مع إمكانية العمل وبناء مستقبل وإن غادروا فللسياحة والتنزه للعودة مجددا... فلاش بلد زارته الدكتورة فاطمة وبقي في الذاكرة والحنين للعودة اليه؟ روما هي مدينة تركت فيّ أثرًا عميقًا حقًا. وأنا أتجول في شوارعها كنت أفكر في قدرة العقل البشري على بناء مكان كهذا. أمام هندسة الكولوسيوم أو الجرأة المعمارية للبانتيون كان هناك سؤال يلحّ عليّ: كيف استطاعت هذه الحضارة دون أي تكنولوجيا رقمية أن تحقق المستحيل وتترك أثرًا لا يُمحى؟ وهذه التجربة بالتحديد هي ما يوجّه ردّي على سؤالك حول الذكاء الاصطناعي. الذكاء الاصطناعي هو أكثر الأدوات تعقيدًا ابتكره الإنسان على الإطلاق تحفة من تحف ذكائنا. لكنه يبقى أداة. ما علمتني إياه روما هو أن العبقرية البشرية لا تكمن فقط في الحل التقني بل في الرؤية الشعرية التي تسبقه. في حلم ربط إمبراطوريات عبر طرق ونحت الضوء وخلق مسارات ترفع الروح. يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يحسّن ويحسب وحتى يقلّد. لكن هل يستطيع أن يصمم مشروعًا عمره آلاف السنين لمدينة أبدية؟ بالنسبة لي لن يحل الذكاء الاصطناعي محل الذكاء البشري بل هو امتداده المذهل. قد يحررنا ربما من الحسابات المرهقة ليسمح لنا بأن نفعل بشكل أفضل ما تحتفل به روما: أن نحلم نبدع ونبني من أجل القرون القادمة. كلمة أخيرة.. وأخيرًا وفي خضم هذه التحولات الكبيرة من تحديات الذكاء الاصطناعي إلى إصلاح التعليم وفتح آفاق لغوية جديدة يبقى جوهر رسالتنا كمربين وباحثين هو بناء الإنسان الواعي القادر على التفكير النقدي والحفاظ على إنسانيته في عصر الآلة شكرًا لكم على هذا الحوار الثري وأتمنى أن تكون هذه الأفكار قد أسهمت في إثراء النقاش وتبقى الجامعة دائمًا بيت الحكمة ومَعلَمًا من معالم الأمل نحمله معًا نحو غد أفضل