مراصد إعداد: جمال بوزيان سقوط أقنعة بعد ظهور علم البصمة الوراثية.. التطور التكنولوجي لدى المختبرات يصحح الأنساب تَرصُدُ أخبار اليوم مَقالات فِي مختلف المَجالاتِ وتَنشُرها تَكريمًا لِأصحابِها وبِهدفِ مُتابَعةِ النُّقَّادِ لها وقراءتِها بِأدواتِهم ولاطِّلاعِ القرَّاءِ الكِرامِ علَى ما تَجودُ به العقولُ مِن فِكر ذِي مُتعة ومَنفعة ... وما يُنْشَرُ علَى مَسؤوليَّةِ الأساتذةِ والنُّقَّادِ والكُتَّابِ وضُيوفِ أيِّ حِوار واستكتاب وذَوِي المَقالاتِ والإبداعاتِ الأدبيَّةِ مِن حيثُ المِلكيَّةِ والرَّأيِ. ///// النَّسَب بين الذّاكرة والعِلم أ.د.جمال بن لقريشي قراءة تحليلية في تحوُّل معايير الإثبات من الرِّواية إلى الجين ليس النسب في الثقافة العربية شأناً جزئياً يُبحث في هامش التاريخ بل هو أحد مفاتيح فهم البنية العميقة للمجتمع الإسلامي في أطواره المختلفة. فمن خلاله تُقرأ خرائط الولاء وتُفهم آليات الشرعية ويُدرك كيف انتقلت السلطة من بيت إلى بيت ومن رمز إلى رمز. وإذا كان العرب قد تفاخروا بأنسابهم في الجاهلية فإن الإسلام لم يُلغِ هذا المعطى بل أعاد توجيهه فجرّده من العصبية العمياء وربطه بميزان التقوى والعمل. غير أنّ التاريخ لا يسير دائماً على مقتضى المثال الأعلى إذ ما إن دخل النسب في معادلة الشرعية السياسية حتى صار موضوع صراع وتحول من رابطة اجتماعية إلى رأس مال رمزي تُبنى عليه دعاوى الحكم وتُستمد منه قوة التأثير في الجماهير. أولًا: النسب كرأسمال رمزي في بنية السلطة في المجتمعات التقليدية حيث لا توجد مؤسسات حديثة تنظم تداول السلطة يلعب الرمز دورًا حاسمًا. والنسب – ولا سيما النسب الهاشمي – كان أقوى الرموز حضورًا في المخيال الجمعي. فالانتساب إلى بيت النبوة ليس مجرد انتماء عائلي بل هو اقتراب من مركز القداسة واستمداد من معين روحي عميق. من هنا نفهم لماذا اشتد الصراع بعد مأساة الحسين بن علي في كربلاء ولماذا ظلّ الاسم العلوي حاضرًا في كل معادلة سياسية لاحقة. فالسلطة كانت تدرك أن الشرعية لا تُحسم بالسيف وحده بل تحتاج إلى تأويل نسَبي يبررها في الوعي العام. وهنا تبلورت معادلة دقيقة: من يملك تعريف النسب يملك جزءًا من تعريف الشرعية. فنشأت مؤسسات ونقابات تُعنى بضبط الأنساب وصار الاعتراف الرسمي شرطًا للتمتع بامتيازات اجتماعية وروحية بل وأحيانًا اقتصادية. وفي هذه اللحظة بدأ الانزلاق من التحقيق إلى الاحتكار . ثانيًا: احتكار النسب الشريف وآثاره الاجتماعية إن احتكار النسب الشريف في بعض الحقب لم يكن مجرد تنظيم إداري بل تحوّل إلى أداة إقصاء. فقد حُرم كثير من المنتسبين إلى البيت العلوي من الاعتراف الرسمي إمّا لمخالفتهم السلطة أو لابتعادهم عن مراكز النفوذ أو لاندماجهم في بيئات قبلية بعيدة عن الحواضر الكبرى. في المقابل مُنحت صفة الشرف أحيانًا لأسر لم يكن لها اتصال بيولوجي بالسلالة العلوية لكنها حظيت برضا السلطان أو بقدرة على إثبات دعواها في ظل منظومة إدارية تخضع للتأثير السياسي. وهنا وقع ظلم مزدوج: ظلم مباشر تمثل في التتبع والنفي والتقتيل الذي طال بعض الأشراف الحقيقيين في فترات الاضطراب. ظلم رمزي تمثل في سلب الاعتراف اللاحق بنسبهم بسبب ضياع الوثائق أو غيابهم عن السجلات الرسمية. المغرب العربي.. الفضاء البديل وحفظ الذاكرة الشفوية كان المغرب العربي – بجباله وسهوله وبنيته القبلية المتماسكة – فضاءً بديلًا استوعب موجات من الهجرة العلوية. فبعض الأسر قصدت هذه الديار هربًا من الصراع السياسي في المشرق وبعضها استقر بها بعد اضطرابات داخلية. في هذه البيئات لم تكن الوثيقة المكتوبة دائمًا متاحة لكن الذاكرة الشفوية كانت قوية. فالقبائل تحفظ أنسابها جيلاً بعد جيل وتربط بينها وبين الوقائع والأحداث. وحين اندمج بعض الأشراف في النسيج القبلي حفظوا نسبهم في هذا الإطار الشفوي بعيدًا عن أعين السلطة المركزية. غير أن غياب الوثيقة الرسمية لاحقًا جعل بعض الباحثين يشككون في هذه الأنساب وكأن التاريخ لا يُحفظ إلا في سجل مختوم. الثورة الجينية .. انتقال معيار الإثبات مع تطور علم الوراثة الجزيئية ظهر تحليل *الكروموسوم الذكري (Y-DNA)* الذي ينتقل من الأب إلى الابن عبر السلسلة الأبوية. هذا التحليل مكّن من تتبع السلالات بدقة عالية وأتاح مقارنة عينات متعددة لمعرفة مدى اشتراكها في أصل أبوي واحد. وقد أظهرت النتائج في نطاق واسع من العينات في المغرب العربي معطيات دقيقة منها: أن عددًا معتبرًا ممن يحملون لقب الشريف لا ينتمون جينيًا إلى السلالة العلوية بل إلى سلالات عربية أخرى كبني هلال وبني سليم أو إلى أصول أمازيغية محلية. أن أسرًا لم تكن معترفًا بها رسميًا واحتفظت بنسبها شفويًا جاءت نتائجها الجينية متوافقة مع السلالة العلوية المعروفة. وهنا انكشفت مفارقة عميقة: اللقب لا يضمن الحقيقة وغياب اللقب لا ينفيها. تحليل المعطيات.. ما الذي تغير فعليًا؟ أحدثت المعطيات الجينية ثلاثة تحولات كبرى: تفكيك الاحتكار الإداري: لم يعد بإمكان مؤسسة رسمية أن تدّعي وحدها سلطة تعريف النسب لأن المختبر أصبح شريكًا في الإثبات. إعادة توزيع الاعتراف سقطت دعاوى قديمة وثبتت أنساب كانت موضع شك فاختلّت موازين اجتماعية راسخة كشف التداخل الهوياتي أظهرت النتائج أن المجتمع المغاربي نسيج مركب فيه امتزاج طويل بين العرب والأمازيغ وأن الهوية التاريخية ليست خطًا نقيًا بل شبكة علاقات ممتدة حدود الجين .. قراءة نقدية متوازنة يبقى التحليل الجيني أداة جزئية فهو يثبت الاشتراك البيولوجي في الخط الأبوي لكنه لا يفسر السياق الاجتماعي الذي أنتج الانقطاع إن وُجد ولا يحسم كل تفاصيل التاريخ. كما أن تحديد مرجع جيني جامع للسلالة العلوية يحتاج إلى عينات موثقة تاريخيًا وهو أمر يتطلب تنسيقًا علميًا دقيقًا. ومن ثم فإن المنهج الأمثل هو الجمع بين: التحقيق التاريخي الوثائقي الشهادة الاجتماعية المتواترة والتحليل الجيني. إن قضية النسب الشريف — الحسني أو الحسيني — ليست مسألة اسم يُتداول ولا لقب يُمنح ولا وثيقة تُستخرج وإنما ظاهرة مركبة تتداخل فيها عناصر الدين والسياسة والاجتماع والاقتصاد والرمز والهيبة والسلطة المعنوية حتى غدت في بعض العصور مؤسسة قائمة بذاتها لها حراسها ودفاترها ومصالحها وحساسياتها. حين يتحول النسب إلى رأسمال سياسي شهد التاريخ الإسلامي — خصوصًا في بعض مراحل المغرب الإسلامي — ظاهرة احتكار النسب الشريف من قِبل سلطة سياسية تحتاج إلى الشرعية وسلطة دينية تحتاج إلى الامتياز الرمزي. فإذا اجتمعتا صار النسب الشريف أداة تثبيت حكم لا موضوع بحث علمي. في مثل هذا المناخ تتبدل قواعد الإثبات: لا يُبحث هل ثبت النسب بل هل يخدم النسب السلطة؟ فتُقرب أنساب وتُقصى أنساب ويُعترف بسلالة وتُطمس أخرى. وهنا يبدأ الظلم لا ظلم الادعاء فحسب بل ظلم الإقصاء. مأساة الأشراف الحقيقيين في الأطراف لقد تعرّض كثير من آل البيت للاضطهاد السياسي لا لكونهم ضعفاء بل لكونهم رموزًا. فالسلطة تخشى الرمز أكثر مما تخشى السيف. وفي المغرب العربي حيث تعاقبت دول متعددة ترافقت لحظات الاشتداد مع مطاردة نفي تجريد من الأملاك إفقار مقصود وتشتيت في البوادي والجبال. وهنا يختار كثير من الأشراف الحقيقيين طريق الاختفاء: يندمجون في قبائل يخففون من إعلان نسبهم يتخلون عن ألقابهم ويكتفون بحفظ السلسلة في الذاكرة العائلية. فالنسب الذي كان يُجهر به في زمن الأمن يُهمس به في زمن البطش. وهكذا تتكون ظاهرة مزدوجة: أسر تعلن الشرف لتنال امتيازًا وأسر تكتم الشرف لتنجو بنفسها. إشكالية السجلات الرسمية من أعظم الأخطاء المنهجية أن يُجعل السجل الرسمي معيارًا وحيدًا للحقيقة فهو ابن السلطة لا ابن البحث الحر. النقيب الذي يثبت قد يكون معينًا من الحاكم والوثيقة قد تمر عبر فلتر سياسي والاعتماد قد يرتبط باعتبارات خارج النسب نفسه. الوثيقة التاريخية تُقرأ في سياقها: من كتبها؟ ولأي غرض؟ وفي أي ظرف سياسي؟ وبأي أدوات تحقق؟ إن غياب اسم أسرة عن سجل رسمي لا يعني بالضرورة سقوط نسبها كما أن وجودها فيه لا يعني العصمة من الخطإ. ظهور المنهج الجيني.. زلزال معرفي مع العصر الحديث ومعه علم الوراثة الجزيئي وتحليل *الكروموزوم Y* وقع ما يشبه الزلزال المعرفي. فالتحليل الجيني لا يسأل من كتب السلسلة أو من اعتمدها بل يسأل: هل تتطابق السلالة الذكورية بيولوجيًا؟ وقد أثبتت تحاليل كثيرة نتائج مدهشة: نفي دعاوى راسخة إثبات روايات مهمّشة كشف اختلاط أنساب نتيجة تبني أو مصاهرة أو انقطاع وثبوت جيني لأنساب كانت مختبئة في القبائل بعيدًا عن الدواوين الرسمية. بين العلم والادعاء التحليل الجيني ليس عصًا سحرية فهو يحتاج إلى عينات واسعة ومقارنات دقيقة وقاعدة مرجعية ثابتة. كما أن نتائج العينات لا تُعمم بغير احتياط. لكنه يحرر البحث من ضغط الامتياز يمنع احتكار الحقيقة ويفتح باب المراجعة الموضوعية. البعد الاجتماعي للصدمة لقد أحدثت نتائج التحليل الجيني صدمة نفسية واجتماعية عند بعض الأسر. فالنسب لم يكن رد معلومة بل كان هوية وجزءًا من البناء الرمزي للعائلة. فنفي نسب معين لا يعني نفي الكرامة وإثبات النسب لا يمنح قداسة ولا حصانة. الإسلام نفسه قد قرر مبدأ حاسمًا: إن أكرمكم عند الله أتقاكم . إعادة بناء علم الأنساب المرحلة القادمة تقتضي منهجًا مركبًا يجمع بين التحقيق التاريخي النقدي القراءة السياقية للوثائق الدراسة الاجتماعية لمسارات الهجرة والاندماج والتحليل الجيني بضوابطه العلمية. فلا يُلغى القديم جملة ولا يُقدس القديم جملة بل يُركب الجميع في منظومة تحقق متكاملة. إن أعمق أثر لهذا التحول المعرفي أنه يعيد الاعتبار لمن ظُلموا تاريخيًا. فتصحيح دعاوى غير صحيحة ليس فضيحة بل تصحيح شجاع يعيد بناء المنهج التاريخي. إن قضية النسب الشريف لم تكن يومًا مسألة دم فقط بل مسألة وعي. وما لم يتحرر الوعي من أسر الامتياز فلن يتحرر البحث. لقد آن الأوان أن نعيد النسب إلى مكانه الطبيعي. علمًا لا سلطة معرفة لا امتيازًا مسؤولية لا مكسبًا. فالشرف الحقيقي ليس في ادعاء سلسلة بل في صدقها وليس في حفظ اسم بل في حفظ أمانة وليس في احتكار رمز بل في تطهيره من الزيف. وهكذا تتلاقى الرواية الصادقة مع العلم الدقيق ويتصافح التراث مع المختبر وتسقط الأقنعة ويثبت ما ثبت ويزول ما زال. وتبقى الحقيقة — وإن تأخرت — أقوى من كل احتكار. ///// عن الآثار الرومانية في الجزائر.. هل هي فعلا رومانية؟ أ.د. جمال بلعربي عندما نتحرر من النظرة الكولونيالية ومن التاريخ الاستدماري ومنهجيته ومفاهيمه ونطرح السؤال حول ما يسمى الآثار الرومانية في الجزائر سوف نجد أنها في أغلب الأحيان آثار فينيقية – حسب التسمية الرومانية والبيزنطية – وأن أقدمها يرجع إلى القرن 11 قبل الميلاد وهو تاريخ تأسيس مدينة عتيقة بتونس وبعدها قرطاجالمدينة الجديدة وباللغة الفينيقية قريت حديث (القرية الحديثة). واستمرت حضارتها إلى ما بعد الفتوحات الإسلامية للمغرب العربي لتغطي فترة زمنية تتجاوز 1500 سنة. ومن الجهة المقابلة لا يمكن الحديث عن الآثار الرومانية والبيزنطية إلا بعد سقوط قرطاج سنة 146 قبل الميلاد بفترة معقولة. إن أغلب المدن الساحلية المعروفة في الجزائر والكثير من المدن الداخلية القديمة مدن فينيقية بأسمائها القديمة وبآثارها وبرواسبها الثقافية والرواسب اللغوية (المعجمية والتركيبية والصوتية) التي قاومت النسيان وهي مستمرة إلى يوم الناس هذا. سوف ننتبه أيضا إلى أن الوجود الفينيقي في شمال إفريقيا تميز بالتعمير وإنشاء المدن والهجرات الجماعية والنشاط التجاري الدولي والملاحة ونقل التكنولوجيا وتطوير الصنائع على يد قوم كانوا يسمون أنفسهم كنعانيين وكان الرومان يسمونهم فينيقيين. بينما لم يعرف الوجود الروماني في المنطقة هجرات شعبية من سكان البلاد الرومانية بل اقتصر على النشاط التجاري والحكم الإداري الممثل لسلطة أباطرة روما وإقامة بعض من قدماء المحاربين وبعض الأرستقراطيين مع حاشياتهم. حيث كانت روما في بعض الفترات خاصة عندما تحكم قبضتها على السلطة في المنطقة تمنح بعض أعيانها وخاصة المثيرين للريبة منهم وبغرض إبعاد مطامعهم عن القصر قطع أراض أو مدنا برمتها يحكمونها وتخدمهم. لكن هؤلاء لم يكونوا يأتون إلى الجزائر وبقية الشمال الإفريقي على رأس هجرات شعبية بل كانوا يعولون على أبناء المنطقة يخدمونهم. مما يعني أن الوجود الروماني في الجزائر لم يؤثر على المكونات الديمغرافية للسكان ولم يقض على عمرانهم ولا بقية مكونات ثقافتهم. على الرغم من ذلك كثيرا ما يسمى التاريخ الفينيقي في الجزائر بعبارة مختزلة ولكنها غير بريئة على الإطلاق هي تاريخ أو آثار ما قبل الرومان. نعم هكذا تعرف آثار ما يزيد على 1000 سنة قبل الميلاد و2000 سنة بعده بآثار ما قبل الرومان. وكأن الرومان هم المحطة المفصلية والأساسية في تاريخنا. بطبيعة الحال واضح جدا أن هذه التسمية موروثة عن تقاليد البحث الأركيولوجي الاستدماري وأنها تقوم على مبدإ المركزية الأوروبية أي المركزية اليونانية الرومانية في الثقافة العالمية. مع العلم أن الحضور الروماني بين 146 قبل الميلاد والفتوحات الإسلامية في نهاية القرن السادس الميلادي لم يكن متصلا في الزمان ولا متجذرا في الديمعرافيا ولا في الثقافة والدليل البسيط على ذلك أننا لم نحفظ من كلامهم في استعمالاتنا اللغوية اليومية أي شيء يذكر. بينما نحفظ ما يقارب 50 من الاستعمال اللغوي الفينيقي في كلامنا العامي إلى اليوم. وقد أشرنا إلى ذلك في مقال سابق على هذه الصفحات. كان الوجود الروماني إداريا وسياديا مع بعض المعاملات التجارية. لذلك نرجح أنه لم يخلف آثار بالأهمية التي تنسب له. زيادة على أن المدن الأثرية التي تسمى رومانية هي في الأصل مدن فينيقية في أغلب الأحيان وأضيفت إليها لمسات رومانية. أنا هنا لا أسعى إلى تغيير التاريخ ولا إلى التقليل من قيمة الباحثين في مجال الآثار والمؤرخين الذين ألفوا الاطمئنان إلى المراجع الاستدمارية بل أتمنى أن ينتبه القارئ العام والإعلامي والدارس أيضا إلى خطورة اختزال الماضي الجزائري قبل الإسلامي في الحضور الروماني. واعتبار ما سبق على ذلك من ما قبل التاريخ - الروماني. وإذا كان التاريخ يبدأ مع ظهور الكتابة فليتذكر الباحثون أن دور الفينيقيين كبير وأساسي في اختراع الأبجدية ونشرها في البحر الأبيض المتوسط. بعض المراجع تعتبر الأبجدية الإغريقية مجرد تطوير للأبجدية الفينيقية وكذلك الأبجدية اللاتينية. إن كلمة أبجد في حد ذاتها اسم الأبجدية وكذلك (هوز وحطي وكلمن) هي كلمات فينيقية ونجدها ترافق الأبجديات الأخرى في العالم إلى اليوم. لينتبه القارئ إلى أن تسلسل الحروف klmn في الأبجديات الأوروبية هو نفسه كلمن الفينيقي. ناهيك عن أبجد الإغريقي وabcd الأوربي الحالي. وحتى أسماء الحروف التي نتداولها اليوم في الأبجدية العربية مثل الألف والباء والميم والنون.. لها معان في الفينيقية ومجموعة الساميات القديمة دون سواها من لغات العالم. إنه لمن المحزن جدا أن يعتبر الناس الضريح الملكي في تيبازا رومانيا ويسمونه ترجمة عن الفرنسية وعن المؤرخين الفرنسيين ضريح المسيحية في حين يرجع تارخ بنائه إلى فترة كان فيها سكان المنطقة يسمونه قبر الرومية. فكلمة قبر موجودة بهذا المعنى والنطق (ق ب ر) وبالأبجدية الفينيقية وحتى بالأبجدية اللاتينية جهارا نهارا في مئات النقائش الفينيقية في الجزائروتونس وليبيا وحتى في قبرص ومالطا وصقلية وجزر البليار وغاليسيا وإيرلندا وغيرها. ناهيك عما هو موجود من آثار في فلسطين ولبنان. ومن المحزن أيضا أن تعتبر القطع النقدية القديمة في الجزائر وحتى في المناطق الأوربية المذكورة نقودا رومانية على الرغم من أنها مكتوبة بالأبجدية الفينيقية وتنطق نطقا يشبه العامية المغاربية الحالية. إن بعض تلك النقود وجد قبل أن يتعلم الرومان ركوب البحر بعدة قرون. لقد تحرج الأثري والمؤرخ الاستدماري من تجاهل الفرق الكبير بين الآثار الرومانية والآثار الفينيقية ولم يسم هذه الأخيرة رومانية بل ما قبل رومانية. غير أن الثقافة العامة السائدة والمكرسة بواسطة قرائن ورموز وممارسات معينة تجعل السردية التاريخية حول الآثار الجزائرية القديمة متمركزة حول الهوية الرومانية. مما يعني أن الحضارة الرومانية هي الوحيدة التي قامت على هذه الأرض قبل الفتوحات الإسلامية في تعارض صارخ مع الحضارة الإسلامية. وبطبيعة الحال لا يمكن تجريد هذا التعارض من البعد الصليبي الموجود في خلفيته. بهذه الطريقة يكتبون تاريخنا مشوها ومتناقضا وتابعا لتاريخهم وغير قابل للوجود إلا من خلال مركزيتهم الحضارية. هي إذا النزعة الصليبية نفسها لكن هذه المرة بدون سيوف ولا صهيل خيول. فقط بالتصنيف العلمي للآثار وبتسمية فترات التاريخ وبنقل الآثار من مدنها والسفر بها إلى متاحف أوروبا وأمريكا. بل وبوضع آثار أخرى في مكانها تعطي للأحجار المزروعة في الأرض معنى مغلوطا. مثلا توجد في مدخل المدينة الأثرية تيبازة مجموعة من التوابيت الرومانية تحمل كتابات بالحروف اللاتينية تستقبل الزوار وتؤكد لهم أن هذه المدينة الأثرية رومانية. وفي ميدان المصارعة توضع شواهد قبور مكتوبة بالحروف اللاتينية في غير مكانها للتزيين فقط لكنها في النهاية تؤكد هي الأخرى أن تيبازة مدينة رومانية على الرغم من أن اسمها نفسه فينيقي. وعلى الرغم من أن طبيعتها العمرانية ومعابدها ومسرحها كلها فينيقية أو ما يسمى بالموريطانية. يجب أن نتصالح مع تاريخنا القديم ونتحرر من النظرة الكولونيالية المشوهة ونلحق جهودنا البحثية والتأريخية بما يبذله الباحثون في تونس وإيطاليا وإسبانيا وغيرها حول هذا التاريخ الفينيقي الذي صنع مجد المتوسط خلال ما يقارب ألف سنة من الزمان وعلم الناس الكتابة والغناء والأناقة والزراعة وركوب البحر وصناعة الأصباغ وكانت لنا فيه الدرجات العليا على عكس الصورة البائسة والهمجية البربرية التي يرسمها الاستدمار عنا. لقد زار أحد قناصلة روما في ذلك الزمان مدينة قرطاج عاصمة الفينيقيين في شمال إفريقيا فدهش لما وجده فيها من رخاء وثراء ونشاط اقتصادي فأرسل إلى إمبراطوره بأن هذه المدينة ستشكل خطرا على روما إذا لم يتم تدميرها. وقال قولته الشهيرة يجب تدمير قرطاج. ثم جاء الاستدمار بعده ليمسحها من تاريخنا. لذلك سوف نتصالح مع تاريخنا عندما نعيد بناء ما شوّهه الاستعمار وحطمه.