صرح الوزير الأول عبد الملك سلال للصحافة على هامش الزيارة التي قام بها لموريتانيا أنه على المجتمع الدولي العمل من أجل وقف التجاوزات المرتكبة في شمال مالي، كما دعا في نفس الوقت إلى ضرورة »تجنب كل ما من شأنه أن يؤجج النعرات العنصرية والقبلية، ويعقد الأزمة في هذا البلد«، وهذه رسالة واضحة تحمل تحذيرات غير مباشرة لكل الأطراف الدولية بان الحرب على الإرهاب في شمال مالي قد تأخذ أشكالا أخرى إذا اقترنت بممارسات عنصرية وأعمال انتقامية وانتهاكات تستهدف العزل، وهناك أدلة كثيرة عن حالات مماثلة تحولت فيها الحرب على الإرهاب إلى حرب على الإنسان، وفي النهاية انقلبت الموازين وتغيرت المعادلة وأصبح »المنقذ«مجرد معتدي يتجند كل من له شيء من المروءة ومن الأنفة وحب الوطن لمواجهته. والحقيقة أن تصريحات سلال جاءت كتكملة لما تضمنته العديد من التقارير التي نشرتها منظمات حقوقية محلية ودولية بشان الانتهاكات الصارخة لأبسط حقوق الإنسان في شمال مالي، والتي تضاف طبعا إلى مخلفات الحرب وإلى الوضع الإنساني المزري و الذي أدى بالآلاف إلى الفرار بجلودهم إلى دول الجوار ومن ضمنها الجزائر، وقبل سلال رسمت »هيومن رات ووتش« ومنظمة العفو الدولية صورة قاتمة عن الوضع الإنساني في شمال مالي، وتحدثت المنظمتين عن عمليات تصفية رهيبة يقوم بها الجيش المالي ضد العرب والتوارق الذين يتهمهم بالتعاون مع الإسلاميين المتشددين، وأشارت المنظمتين الحقوقيتين إلى الإعدامات التي يقوم بها عساكر باماكو خارج إطار القانون، دون محاكمة وبمجرد الشبهة. وفي الحالة المالية كما في حالات أخرى من صراعات افتعلها الغرب تحت يافطة الإرهاب، فإن الانتهاكات التي تستهدف الأبرياء وعمليات الانتقام التي تختلط بشيء من العنصرية وأحيانا بالكره للدين، أي استهداف الدين بحد ذاته، تتحول إلى ما يشبه الوقود الذي يشحن حركات التطرف ويزيدها قوة، وبدلا من إضعاف هذه الحركات وتحجيمها والقضاء عليها، تتوسع وتنتشر وتكسب حلفاء جدد، وكل ضحية للاعتداء بشكل مباشر أو غير مباشر قد يتحول إلى مسلح جديد في صفوف »الجهاديين« أو عون لهم وعين ضد أعدائهم، وهذا ما حصل بالضبط في بعض بؤر التوتر على غرار أفغانستان التي تحولت إلى شبح مخيف بالنسبة للدول التي تبتلى بالإرهاب والتدخل الأجنبي معا. في أفغانستان دخلت أمريكا بعساكرها وعدد من حلفائها باسم إنقاذ الشعب الأفغاني من غلو طالبان والقاعدة، وسرعان ما تحول المارينز إلى قتلة يرتكبون المجازر المروعة التي لا تستثني لا النساء ولا الأطفال أو العجزة، وبسبب ذلك كله انقلبت المعادلة، وتحولت نزهة الأمريكيين وحلفائهم إلى جحيم لا يطاق، وهذا بالضبط ما أصبح يسمى بالمستنقع الأفغاني الذي ابتلع أمريكا وحلفائها بعد سنوات من ابتلاعه للجيش الأحمر في عهد نجيب الله والغزو السوفيتي لأفغانستان. سلال لم يتحدث عن الانتهاكات التي ترتكب في شمال مالي هكذا ودون وجود خلفيات، فهو يدرك جيدا حجم التجاوزات التي تحصل وأسبابها ولما يصر الجيش المالي على هذه الممارسات ولما تصمت فرنسا وهي التي تدعي بأنها تقود حربا »عادلة« ضد الإرهابيين في هذا البلد، ويعرف أيضا بأن استهداف المدنيين من عرب وتوارق سيؤدي حتما إلى تعميق الأزمة وتشعبها، وإلى تمديد عمر الحرب في شمال مالي وقد يمتد اللهب إلى كل منطقة الساحل، خاصة وان العديد من دول المنطقة بما فيها الجزائر تضم أقليات ترقية يهمها ما يجري في شمال مالي. يدرك كل عاقل بأن الظلم والمساس بالحقوق خاصة الحق في الحياة يشكل وقود الحروب ويمدها بالمزيد من الناقمين ومن المغامرين الذين يحسون في لحظة من الزمن بأن الموت لم يعد يعني أي شيء لهم أمام المعاناة اليومية، وهذه الحقيقة تهم الجزائر أكثر من فرنسا أو أمريكا أو حتى تشاد وأي دولة أخرى تشارك في حرب مالي، لأنه في النهاية ستأكل نيران الغضب كل من حولها، وإضرام النار ليس كإطفائها.