بدأ العد التنازلي لإحياء الذكرى السبعين لإنشاء منظمة الأممالمتحدة من خلال تسليط الضوء على إنجازاتها وإعادة النظر في التحديات التي تواجهها لا سيما في مجال الأمن والسلم العالميين والتنمية المستدامة وحقوق الإنسان وذلك تحت شعار "أمم متحدة قوية من أجل عالم أفضل". فقد ولدت الاممالمتحدة من حطام الحرب العالمية الثانية في 24 أكتوبر 1945 شاركت حينها 51 دولة في إنشائها, وصيغ ميثاقها من أجل نشر السلم والامن الدوليين وتحقق ما كان يتوق إليه الكثيرون من مستقبل أفضل وبيئة سياسية لا تختلط مع شهوة السيطرة والحروب التي كشفت عنها تحالفات دولية ومصالح خاصة لبعض الدول الكبرى. و بعد مرور سبعة عقود من إنشاء هذه الهيئة المستقلة لايمكن التحدث عن الانجازات التي حققتها إلا بالنظر إلى الاخفاقات والتحديات التي لازالت قائمة في سياق تطبيق مبادئها وتفعيل إجراءاتها بما يتلائم مع مختلف الأوضاع المستجدة على مختلف الأصعدة الإقليمية والدولية منها. الأممالمتحدة أثبتت حضورها على الساحة الدولية على مدى 70 عاما من الآداء, إتسم آداء المنظمة بين الإخفاق والنجاح غير أنه لازال لها حضورا على الساحة الدولية من خلال معالجة العديد من القضايا والأزمات الدولية وفقا لما تضمنته مواثيقها الاساسية. فقد تمكنت من الحفاظ على السلم والأمن الدوليين بنشرها ل42 من قوات حفظ السلام وبعثات المراقبة على مر تاريخها, كما تتواجد حاليا 16 قوة تقوم بعمليات حفظ السلام في دول عديدة لاسيما تلك المتواجدة بالصحراء الغربية ومالي. ومنذ عام 1945, نجحت الأممالمتحدة, عن طريق التفاوض, في تسوية نزاعات إقليمية, منها وضع حد للحرب بين إيران والعراق, وانسحاب القوات السوفياتية من أفغانستان, وإنهاء الحرب الأهلية في السلفادور, إذ استعملت الأممالمتحدة "الدبلوماسية الهادئة" لتفادي حروب كانت على وشك الاندلاع. ومن أهم الإنجازات التي حققتها, تعزيز الديمقراطية بانتخابات حرة ونزيهة في 45 بلدا, ونشر ثقافة حقوق الإنسان, ومنع الانتشار النووي, الى جانب مساعدتها في تقرير المصير والاستقلال, وتعزيز القانون الدولي, وإصدار أحكام قضائية في الخلافات الدولية الرئيسيةو وكذا إنهاء الفصل العنصري في جنوب أفريقيا, وتقديم المساعدة الإنسانية إلى ضحايا المنازعات, ضف إلى ذلك تقديم المعونة إلى اللاجئين الفلسطينيين منذ عام 1950, عن طريق وكالة الأممالمتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأوسط (الأنروا). نقائص و ضعف في مسيرة الاممالمتحدة لا يمكن غض النظر عن ما يعتبره الكثيرون "فشل" الهيئة الأممية في تحقيق أهم بنودها, ولعل أهمها علاقاتها مع العرب والتي يعتبرها الكثيرون "نقطة الضعف" الابرز في آدائها, حيث انها إما كانت تكتفي بدور "المتفرج" او أن تدخلها حمل مآسي للعرب مثل ما جرى للفلسطينيين منذ 1948 أو للعراق الذي مارست عليه وصاية إستمرت 13 عاما تحت حجة إمتلاك أسلحة الدمار الشامل أو ما عاشته عديد الدول العربية اليوم بما يعرف ب"الربيع العربي" الذي كانت من مخلفاته الوضعية المزرية التي تعرفها كل من سوريا واليمن او ليبيا اليوم. وبقيت مقاربات الأممالمتحدة لحل الأزمات في الدول العربية تراوح مكانها حيث يظهر جليا في إطار القضية الفلسطينية التي تعبر بشكل صارخ عن تضارب المصالح الدولية منذ أكثر من 65 عاما مع نشوء الكيان الاسرائيلي وعدم تنفيذ قرارات الأممالمتحدة بشأن حل تلك القضية بشكل عادل وبما يضمن حقوق اللاجئين الفلسطينيين. و هذا ناهيك عن قضية الصحراء الغربية --آخر مستعمرة في القارة الإفريقية -- التي حال فيها تعنت المحتل المغربي, المدعم من طرف فرنسا, من إجراء إستفتاء تقرير المصير وتمكين من حل القضية المطروحة على طاولة الاممالمتحدة منذ 1965. ونفس الأمر تكرر في اليمن بينما يحاول المبعوث الاممي في ليبيا برناردينو ليون الجمع بين متناقضات المصالح الاقليمية الدولية في حل على حساب الشرعية المستمدة من انتخابات برلمانية حرة ونزيهة بشهادة الاممالمتحدة نفسها. ويأتي الفشل الآخر, في مجال القضاء على أسلحة الدمار الشامل سيما في منطقة الشرق الأوسط في ظل إزدواجية المعايير في المنطقة بعد غض الطرف عن إسرائيل الدولة النووية في المنطقة منذ الستينات. وكان الأمين العام السابق للأمم المتحدة, كوفي عنان, قدم في مذكراته بعنوان "تدخلات", سردا "فاضحا" لبعض أخطاء الأممالمتحدة خلال عمله الذي استمر لعقود مع المنظمة خاصة في مجال مهمات حفظ السلام في التسعينيات في الصومال ورواندا والبوسنة, التي وصفها عنان جميعها ب"حالات الفشل الكبرى". إصلاح المنظمة الدولية... حاجة ملحة لمواكبة التغيرات تطالب العديد من الدول بضرورة حدوث إصلاحات جذرية لهيئة الأممالمتحدة وجميع مؤسساتها, بحيث يكون لقراراتها المصداقية وكسر إحتكار الدول الكبرى للقرار بداخلها وهو الامر الذي إتفق عليه جميع أعضاؤها ال 193 والذي أكده مؤخرا أمينها العام حيث أشار إلى "الحاجة الملحة" لإصلاح المنظمة قائلا "إن الأممالمتحدة مختلفة تماما عنما كانت عليه من 70 سنة ولهذا لا بد من إجراء بعض التغييرات وأن تتكيف معها". وما يعيبه أعضاء المنظمة هو آداء مجلس الأمن بإعتباره "القلب النابض" للمنظمة و الذي لا يتدخل إلا في الحالات القصوى لإنعدام الأمن كما أن قوات حفظ السلام لا يمكنها في الوقت الحالي الحفاظ على السلام. وأجمع أغلب أعضاء المنظمة على أن مجلس الأمن الذي تم انشاؤه في أربعينات القرن الماضي لم يعد مناسبا للغرض الذي أنشئ من أجله وان حق النقض الذي تتمتع به الدول الخمس دائمة العضوية يجب أن يحل محله نظام التصويت بالأغلبية الذي يعزز مكانة الدول. ولازالت الدول الافريقية في هذا الشأن تندد "بالظلم التريخي" الذي تتعرض له من خلال حرمانها من شغل مقعد بالمجلس كعضو دائم يتمتع بحق الفيتو وتوسيع مقاعد الاعضاء غير الدائمين سيما وان 54 دولة افريقية غير ممثلة في مجلس الامن.