رئيس الجمهورية يستقبل مستشار ترامب    هذه مقترحات الشباب الديمقراطي والمواطنة حزب حول مشروع قانون الأحزاب    انجاز تاريخي يطرق أبواب الجزائر    السيد عرقاب يستقبل بنيامي من طرف رئيس جمهورية النيجر    جمال سجاتي يواصل التألق    لا دراسة في هذه الولايات    المغرب: شلل تام في العديد من القطاعات وإضرابات مرتقبة بداية من اليوم    سوريا : روسيا تسحب قوات ومعدات من مطار القامشلي    اصدار للصكوك السيادية:اكتتاب 296.6 مليار دينار لتمويل مشاريع عمومية كبرى    مواد مدرسية تدخل غزة لأول مرة منذ عامين ..3 شهداء وجرحى في قصف مدفعي وجوي شرقي غزة    قسنطينة.. فتح 6 أسواق جوارية خلال رمضان    معسكر..الشهيد شريط علي شريف رمز التضحية    الجزائر تحدد شروط استفادة موظفي التربية الوطنية من التقاعد المبكر    لتعزيز حضور اللّغة العربيّة في الفضاء الإعلاميّ الوطنيّ والدّوليّ..تنصيب لجنة مشروع المعجم الشّامل لمصطلحات الإعلام والاتّصال ثلاثيّ اللّغات    للروائي رفيق موهوب..رواية "اللوكو" في أمسية أدبية بقصر رياس البحر    الجزائر العاصمة : تسليم جوائز أفضل خمس حاضنات أعمال وطنية وإطلاق شبكة الحاضنات الجامعية    البويرة: شباب الولاية يناقشون مشاركتهم السياسية ودورهم في التنمية المحلية    الدين والحياة الطيبة    صيام الأيام البيض وفضل العمل الصالح فيها    عمرو بن العاص.. داهية العرب وسفير النبي وقائد الفتوحات    الديوان الوطني للحج والعمرة يعلن انطلاق دفع تكلفة موسم الحج 1447-2026    رئيس الجمهورية التونسية يستقبل وزير الدولة أحمد عطاف    حماية كاملة للمرأة والفتاة في الجزائر المنتصرة    الجزائر تدرك أهمية الاستثمار في المورد البشري    التطبيع خطر على الشعب المغربي    هكذا تستعد إيران للحرب مع أمريكا    وكالة كناص ميلة تباشر حملة إعلامية وتحسيسية    وفاة 3 أشخاص وإصابة 125 آخرين    حج2026 : دعوة الحجاج لإنشاء حساباتهم    نشيد عاليا"بحفاوة الاستقبال وكرم الضيافة التي حظينا بهما في قطر"    يمتن الشراكة القائمة بين المؤسسات الجامعية ومحيطها الاقتصادي    صدور مرسوم رئاسي بإنشاء المركز الوطني للتوحد    غويري بين الكبار    سيفي غريّب يترأس اجتماعاً    الشباب في الصدارة    إشادة واسعة بقرار الرئيس    اجتماع لتقييم تموين السوق بالأدوية    سوق تضامني جديد بعلي منجلي    الخارجية تدعو المعنيين للتقرب من الممثليات الدبلوماسية    نجم الريال السابق فان دير فارت يدافع على حاج موسى    "الخضر" سيقيمون في مدينة كنساس سيتي    صدمة جديدة لبن ناصر ترهن مشاركته المونديالية    الاحتلال المغربي يتراجع تحت الضغط الحقوقي الدولي    فتوح يطالب بالضغط على الكيان الصهيوني للانسحاب من غزّة    آلاف المتظاهرين في شوارع باريس للمطالبة بتطبيق العدالة    تنصيب عبد الغني آيت سعيد رئيسا مديرا عاما جديدا    مشروع جديد لتعديل القانون الأساسي لمستخدمي التربية    1950 مسكن عمومي إيجاري قيد الإنجاز بوهران    مواصلة توزيع المساعدات على المتضررين من الفيضانات    الإشعاع الثقافي يطلق مختبر "الفيلم القصير جدا"    وقفة عرفان لمن ساهم في حماية الذاكرة السينمائية الوطنية    تثمين الإرث الحضاري لمولود قاسم نايت بلقاسم    الرالي السياحي الوطني للموتوكروس والطيران الشراعي يعزز إشعاع المنيعة كوجهة للسياحة الصحراوية    حين تصبح الصورة ذاكرةً لا يطالها النسيان    أهمية المقاربة الجزائرية في مكافحة الإرهاب و الغلو والتطرف    شهر شعبان.. نفحات إيمانية    تحضيرًا لكأس العالم 2026..وديتان ل"الخضر" أمام الأوروغواي وإيران    الزاوية القاسمية ببلدية الهامل تحيي ليلة الإسراء والمعراج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ذاكرة ثورة..ومصوّر رؤساء الجزائر
نشر في الشعب يوم 16 - 12 - 2020

شاء القدر أن يُغيّب الموت، صالح بوصلاح، عميد مصوّري «الشعب» في ذكرى تأسيسها ال 58، تاركا بصمات ومآثر يرويها عنه من عاش تلك الحقبة الإعلامية المميزة في تاريخ أمّ الجرائد الوطنية، ونضالها المستميت في تبوأ موقعا له وزنه ودلالته في مشهد اتصال تنافسي مفتوح على كل الرهانات.

عرفنا مع الفقيد بوصلاح الذي غادرنا بلا استئذان، وفي صمت رهيب، معنى الصورة الصحفية المرافقة للعمل الإعلامي، مانحة له نكهة، جاذبية ورسالة تكمل المعلومة وتمنحها قيمة مضافة. حبه لهذه المهنة جعلت منه مصورا صحفيا من نوع خاص، أثرى أرشيف الجريدة وعزز تاريخ الجزائر الإعلامي في ابعد مداه وتعدده.
نسجّل في هذه الوقفة، البورتري، شهاداته بشأن اقتحام عالم التصوير العجيب وفك أسراره وألغازه وقدرته التعبيرية بالقول: «حبّي الشغوف للتصوير، برز منذ الصغر، وطموحي كبر مع مرور السنين، مولدا لدي رغبة جامحة في رصد ما يجري من حولي من أحداث ونقل الوقائع بكل تفاصيلها في الزمان والمكان».

فن له خصوصيته لوظيفة لها شروط وقواعد
بهذه الطريقة، جعل الفقيد من التصوير مهنة احترافية، متعة ذاتية وإبداع تطور بتطور الصحافة الجزائرية قائلا: «إن المصور الصحفي مطالب بالتعامل مع الأحداث محل التغطية بأمانة ونزاهة، والبحث عن اللقطة المناسبة، وإن لم تجد، عليه صنعها، دون ترك الأمور تمر مرور الكرام. الصورة الصحفية الجيدة تصل إلى جميع الناس مهما كانت لغتهم ومواقعهم باعتبارها لغة متقاسمة مفهومة من كل البشر».
هكذا، كان الراحل بوصلاح ينظر إلى التصوير الصحفي، معتبرا إياه، فنّا له خصوصيته لا مجرّد وظيفة تؤدى ويكلف بها. هو فن يعشق المبادرة، ويشترط الإبداع لإصدار صورة لها أصالة وهوية وعلامة مسجلة، تؤمنها من التزييف وتصونها من التشويه والقرصنة.
هكذا تعامل طيلة حياته المهنية، مع فريق تصوير صحفي، رافقه في تأدية الوظيفة النبيلة، بحسب شهادة عباس تيليوة، أحد العاملين في قسم التصوير بجريدة «الشعب»، قائلا: «بوصلاح اجتماعي بامتياز، رئيس قسم التصوير، رافقنا في بداية نشاطنا بأم الجرائد، مزودا لنا بفنيات التصوير الصحفي، قواعده وأبجدياته، محبا لكل عمل متقن رافضا أي تقاعس واستهزاء في التكليف بمهمة وصفها دوما بالنبيلة والشريفة.»
الغرفة السّوداء..أسرار وحكايات أيام زمان
أضاف عباس في شهادته، أنّ المرحوم تحلّى دوما بصرامة لا تقبل جدلا في زمن الصورة باللون الأبيض والأسود الصعبة، مؤكّدا على واجب الدقة في استخراجها بدءاً من الغرفة السوداء إلى آخر محطة توظيف. هذه التوجيهات قدمها باستمرار لفريق قسم التصوير المشكل من أسماء لها وزنها في تأدية هذه المهنة، بعضها غادرنا إلى حياة الآخرة، وهم، عبد الحميد عليوش، حميدة غزالي، محمد صحراوي، أحد ضحايا سقوط الطائرة الجزائرية في فيتنام أثناء زيارة الرئيس الأسبق هواري بومدين الى هانوي بتاريخ 8 مارس 1974، وبعضها الآخر حي يرزق أطال الله في عمرهم، منهم، عبد الغني برزاق، مختار عليوان، قدور رواق، إبراهيم جفال، ياسين اكسوس وعباس تيليوة.
أولى محطّات المغامرة في جبهة النّضال
لكن كيف استمد الفقيد بوصلاح معارفه بعلم التصوير الصحفي؟ وكيف اقتحم هذا المجال ويفرض نفسه رائدا مرجعيا؟ إنه سؤال تستدعي الإجابة عنه العودة إلى أولى البدايات في هذه المغامرة الممتعة مع مهنة المتاعب.
بحسب بوصلاح الذي ولد يوم 27 ماي 1934 بقسنطينة، تعلّم وحفظ القرآن بالمدرسة القرآنية من طرف والده رحمه الله، فإن مهنة التصوير ولدت لديه عند التحاقه بالنضال التحرري بالجهة الشرقية بدءاً من 20 أوت 1955، وتواجده بتونس طيلة سبع سنوات. بمنطقة الحدود مع تونس التي كانت مصدر دعم للثورة، تعرف الفقيد على الكثير من الشخصيات الجزائرية، من هم دكاترة كالراحل تيجاني هدام، بروفيسور أمراض القلب، محمد عبد الوهاب مختص في علاج أمراض الحنجرة، وتعرف على شخصيات سياسية وثقافية وفنية وطنية وعربية مساندة للقضية الجزائرية.
بتونس، تكوّن بوصلاح في فن التصوير على يد محترفين واكتشف شغف اتخاذ لقطات معبرة ورصد أماكن مسرحا لعمليات عسكرية قادها جيش التحرير باستماتة ضد الاحتلال الفرنسي، دعمت أرشيف الثورة التحريرية وكانت بحق كنزا ثمينا لتاريخ الجزائر البطولي ومجدها الناصع.
خاض الفقيد في هذه الحقبة، معركة نضال بالصورة والقلم، مدونا أحداثا تاريخية لها مدلولها، مسجلا شهادات حية لا تنسى، لأفراد جيش التحرير البواسل الذين أثبتوا شجاعة في تحدى إحدى أقوى دول استعمارية، مدعمة بالحلف الأطلسي، غايتهم انتزاع الاستقلال مهما كان الثمن، شعارهم: «النصر أو الاستشهاد».
بعد الاستقلال، في شهر أوت 1962، انتقل إلى العاصمة، حيث عمل مصورا حرا، إلى أن عرض يوما ألبوم صوره ودفاتره على مسؤولي جريدة الشعب آنذاك، فرحبوا به ووظفوه على الفور.
كان الفقيد من أوائل المصورين الصحفيين في جريدة «الشعب» التي تأسست في تلك الحقبة حيث التقط بعدسات آلته الفوتوغرافية، صورا لأهم أحداث عرفتها الجزائر عقودا من الزمن، رصد عن قرب خطابات رؤساء الجمهورية ونشاطهم، بداية من احمد بن بلة، هواري بومدين، الشادلي بن جديد إلى اليمين زروال حيث تعاقد بعد مشوار حافل بالعطاء.
كان في قلب الحدث ملتقطا صورا لشخصيات فنية زارت البلاد ونظّمت حفلات طربية تغنت بثورة الجزائر، استقلالها وملحمتها في استعادة الحرية والسيادة أمثال عبد الحليم حافظ ووردة الجزائرية ونجوم كبار، معبّرا في كل مرة عن نشوة حضوره الميداني ونقل أدق التفاصيل لقارئ متعطش لصورة تغني عن ألف كلمة.
سيّد تفاؤل..
هذا هو الفقيد بوصلاح الذي ظل على نفس الحيوية بعد إحالته على التقاعد. كان نعم المستمع، مبتسما لا أحد يمل من الحديث معه، شخصية صارمة وعطوفة، صاحب مبادئ جدي في عمله، في تعاملاته وصريح. لا يستريح حتى ينجز ما قرره ويكمله بأحسن صورة. لا يعمل عملا إلا وأتقنه.
كانت زوجته دائما تطلب منه أن يأخذ قسطا من الراحة، فيرد بابتسامة معهودة: «راح نعيش قد ما عشت؟». كان دائما يستمتع بزراعة النباتات والورود في الحديقة وبعشق خاصة مسك الليل والياسمين، فقد سحرته البساتين منذ صغره بأراضي قسنطينة، فهي تذكره بطفولته وشبابه.
حزن على وفاة أخته حليمة المفاجئ، المصادف لعيد ميلاده ال 86 (27 ماي 2020)، الذي تزامن مع عيد الفطر المبارك أيضا، كان رحيلها صدمة، زادته ألما، وهو يعاني أمراضا مزمنة وفشلا كلويا زيادة على متاعب قلب أجري عليه عملية، قاوم هذه الأمراض وخاصة لمدة أسبوعين قبل وفاته، تعقّدت حالته إلى أن توفي يوم 27 أكتوبر 2020، 5 أشهر، بعد أن غيّب الموت شقيقته، تزامن رحيله مع حلول المولد النبوي الشريف. وبناءً على وصيته، دفن الفقيد في قسنطينة، التي استقر بها ليقضي آخر ما تبقى من عمره بين عائلته متخذا أقصى الاحتياطات الوقائية ضد وباء كورونا.
رحل بوصلاح تاركا صفات رجل صالح مستقيم تشهد عنه، ولأحفاده قيم ومآثر، سلاحهم في مواجهة تحديات الزمن وتقلباته، فحفيدته البكر رغدة ( 22 سنة)، ورثت عنه حب التصوير، وحفيدته لميس (19 سنة)، حب الرسم والزخرفة. أما حفيده رامي (16 سنة)، اكتشف معه هواية البستنة والزراعة وعشق الطبيعة، حفيدته زهيدة (17 سنة) أخذت عنه عفويته وشخصيته المرحة، حفيده مصطفى (20 سنة) حمل منه حب الذهاب إلى المسجد الحرام والصلاة معه بالبيت جماعة، وأخيرا، حفيده أنور (14 سنة) أخذ عنه تعلقه بالوطن وتاريخه البطولي المرسخ في الذاكرة الحية لا يمحوه الزمن.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.