صلة الرحم وتبادل الزيارات.. مظاهر تصنع الفرحة تشكل مناسبة العيد سواء الفطر أو الأضحى، محطة هامة يجتمع فيها أفراد العائلة الجزائرية مجددا تحت سقف واحد بعدما فرقتهم ظروف الحياة اليومية وأشغلتهم عن اللقاء والاستمتاع بالجلسات الاخوية الودية، حيث يحرص الجميع على التواجد ومشاركة العائلة هذه المناسبة الدينية والاجتماعية، وتمثل فرصة أيضا لتجديد وتمتين الروابط الاسرية بتبادل الزيارات وصلة الرحم مثلما يدعو إليه ديننا الحنيف الذي أعطى أهمية كبيرة لهذه الصفة الانسانية التي تميز المجتمع الجزائري. ما ان ينتهي النصف الأول من شهر رمضان الفضيل حتى تبدأ التحضيرات والاستعدادات لاستقبال عيد الفطر المبارك الذي يحمل رمزية خاصة في المجتمع، فلا يخلو بيتا جزائريا إلا ويعيش نفس العادات الاجتماعية الراسخة منذ القدم، حيث تتنوّع المظاهر وتتعدد لكنها مشتركة تقريبا بين مختلف ولايات الوطن بالنظر الى القدسية التي تمثلها هذه الشعيرة الدينية لدى العائلات الجزائرية التي تعطي أهمية خاصة للمناسبة وتخصص ميزانية لاقتناء ما يلزم من أواني منزلية، صناعة مختلف أنواع الحلويات، فيما يعيش الأطفال فرصة العمر ولحظات من السرور والفرحة التي لا توصف وهم يرتدون ألبسة العيد الجديدة والتباهي بها. وبمجرد انتهاء صلاة العيد التي يحرص الجميع على أدائها في جو من السكينة والخشوع، تضرعا الى الله بتقبل القيام والصيام، تنطلق العائلات في تبادل التهاني وزيارة الأقارب، وهي عادة اجتماعية وواجب ديني راسخ لدى العائلات خصوصا كبار السن المتمسكين كثيرا بهذه الخصلة الحميدة المتوارثة أبا عن جد مثلما جمعته «الشعب» من تعليقات لدى بعض المسنين الذين يتحملون مشقة السفر لزيارة من أجل الوقف على عتبة الأعمام والأخوال، العمّات والخالات، الإخوة والأخوات وكل من له صلة قرابة عائلية، معتبرين ذلك واجبا مقدسا مثل زكاة الفطر من أجل اتمام فريضة الصيام، وفرصة للتسامح وتجاوز الخلافات والضغائن التي تعرفها الكثير من العائلات.. وكانت «الشعب» في مواضيع سابقة، ولنفس المناسبة، قد حاولت التقرب من بعض المسنين لمعرفة سر هذا التمسك الكبير بصلة الرحم وزيارة الأقارب بمناسبة عيدي الفطر والأضحى مقارنة مع جيل الشباب وخصوصا في المدن الكبرى التي فقدت الكثير من العادات والتقاليد الاجتماعية التي ترعرع عليها الجيل السابق فكانت الردود بالإجماع «ان تمسك كبار السن بواجب زيارة العائلة والاقارب أيام العيد الى جانب بعده الديني ومكانة صلة الرحم في الاسلام، هو سلوك نابع من التقاليد المتوارثة عبر الاجيال، حيث كان الأب أو الجد يحرص على مرافقة أطفاله بالرغم من مشقة السفر ومشيا على الاقدام لغياب وسائل النقل من أجل زيارة الاخت، العم والعمة، الخال والخالة وغيرهم حتى يتربى على هذه الخصال الحميدة التي تميز المجتمع الجزائري وبالتالي الحفاظ على هذه الروابط وتجديدها باستمرار». صلة الرحم و»الوزيعة».. مظاهر بدأت تذوب مع العصرنة انتقد عدد من الآباء والأجداد درجة التهاون في احياء صلة الرحم وتراجع بعض العائلات عن هذه العادات والصفات التي حث عليها الاسلام واعطاء أولوية للزيارات الترفيهية في أيام العيد بدلا عن الزيارات العائلية وهنا علّق أحد الشيوخ بالقول: «لقد تخلت الكثير من العائلات في الوقت الحالي على الزيارات وتفقد الأرحام وكبار السن أيام العيد التي تعتبر فرصة كبيرة لتطبيق هذه الشعيرة وعدم التحجج بغياب الوقت وكثرة الانشغال، وهي مسؤولية كبيرة لغرس هذه الثقافة والصفات الانسانية لدى الأطفال ومنذ الصغر، خصوصا وأنها بدأت تتلاشى تدريجيا بعدما أصبح بعض الأولياء يفضلون مرافقة أبنائهم الى حدائق الألعاب والتسلية يومي العيد بدلا من زيارة الأقارب وتفقد أحوالهم». الى جانب مظاهر الزيارات والتحركات العائلية التي تنطلق من اليوم الأول، لا تزال مناسبة عيد الفطر تحتفظ بالكثير من العادات والتقاليد الأخرى التي تتنوع من منطقة الى أخرى سواء من حيث طريقة اعداد وتحضير الأطباق التقليدية أو الحلويات التي تعتبر من الواجبات الأساسية التي تحرص كل ربة بيت على اعدادها والتفنن في تقديمها لاستقبال الضيوف وتبادل الأذواق والأشكال، لكنها تشترك في النهاية لتعطي نموذجا فريدا في درجة التماسك الاجتماعي للمجتمع الجزائري، فيما لا تزال بعض المناطق خصوصا بالقرى والأرياف التابعة لبلديات بومرداس تحتفظ باحتشام بعادة «الوزيعة» التي تتمثل في الاشتراك لذبح العجول وتوزيع لحومها على الفقراء والمعوزين بهدف ادخال الفرحة على هذه العائلات والبسمة لأطفالها وان تراجعت هي الأخرى بسبب التغيرات الاجتماعية وحجم التكاليف.