❊ للزيارات العائلية في العيد آثار نفسية واجتماعية كبيرة ❊ التكنولوجيا ودور الأولياء قلص مفهوم صلة الرحم ❊ إلقاء سلام أو تهنئة عيد قد ينهي خلافات دامت سنوات ❊ العيد ليس للحلويات والملابس الجديدة بل لأبعاد روحية أعمق يعتبر عيد الفطر المبارك لدى الجزائريين، مثل ما هو في باقي العالم الإسلامي، مناسبة تحمل معانٍ إنسانية واجتماعية عميقة، ففي هذه الأيام، تتجدد مشاعر المحبة بين الناس، وتعود العلاقات العائلية إلى الواجهة، بعد أن تكون مشاغل الحياة وتحدياتها أرهقتها، لذلك ارتبط العيد منذ زمن طويل، بالزيارات العائلية وتبادل السلام والسؤال عن الأحوال، وهي عادات تعكس روح التضامن والتقارب بين أفراد المجتمع في هذه المناسبة الدينية الجميلة. تكتسب هذه المناسبة قيمة أكبر، عندما تتحول إلى فرصة حقيقية لإصلاح ما فسد من علاقات وتقوية الروابط بين الأقارب، فصلة الرحم، تعد من القيم الأساسية التي حث عليها ديننا الحنيف، لما لها من أثر كبير في نشر المودة والرحمة داخل العائلة، ومن هنا، يصبح العيد موعدا مناسبا، ليبادر الإنسان بزيارة أقاربه، خاصة كبار السن منهم، والاطمئنان على أحوالهم وإدخال السرور إلى قلوبهم. ومع بداية أسبوع العيد، تبدأ العائلات في التحضير لهذه الزيارات، حيث تنتقل من بيت إلى آخر، في أجواء مليئة بالفرح، يتبادل فيها الجميع التهاني والدعوات الطيبة، هذه اللقاءات البسيطة قد تبدو عادية، لكنها في الحقيقة، تلعب دورا مهما في تقوية العلاقات العائلية، وتعزيز شعور الانتماء بين أفراد الأسرة، فالطفل الذي يرى والديه يزوران الأقارب ويتواصلان معهم، يتعلم منذ الصغر قيمة العائلة وأهمية الحفاظ على روابطها. هذا ما أكدته خبيرة الاجتماع، حورية وجدان، التي أكدت أن الزيارات العائلية خلال العيد، لها آثار نفسية واجتماعية إيجابية، فهي "تساهم في تخفيف الشعور بالوحدة لدى كبار السن، وتعزز التضامن بين أفراد الأسرة، كما أنها تفتح المجال لحل الخلافات القديمة، وإعادة بناء جسور التواصل، خصوصا وأننا نشهد اليوم، الكثير من تلك المشاكل في البيئة الواحدة، لاسيما بين الإخوة والأخوات، ونجد تقريبا في كل عائلة كبيرة هذا النوع من الخلافات، أحيانا بسبب الميراث، أو حتى لأسباب تافهة، كزواج الأقارب، وغيرها من المشاكل"، مضيفة أن الكثير من تلك المشاكل العائلية تستمر لسنوات، بسبب القطيعة، بينما قد تكون جلسة بسيطة في يوم عيد، كفيلة بإعادة المياه إلى مجاريها، لاسيما إذا تدخل كبار السن من الطرفين، أو بادر محسن بنية جيدة في الإصلاح والمساهمة في إعادة تلك الروابط، على مائد عيد الفطر المبارك. للأسف، تقول الخبيرة، "يلاحظ في السنوات الأخيرة، أن بعض هذه العادات بدأت تتراجع لدى بعض العائلات، حيث أصبح البعض يكتفي برسالة تهنئة عبر الهاتف، أو مواقع التواصل الاجتماعي، بدل الزيارة المباشرة، كنوع من المبادرة لحفظ ماء الوجه"، على حد تعبيرها، لا أقل ولا أكثر، وكأنه واجب تم تأديته "رغم كل الظروف"، وأرجعت المختصة ذلك إلى عدة أسباب، من بينها "تسارع نمط الحياة، والانشغال بالعمل، وانتشار التكنولوجيا التي جعلت التواصل أسهل، لكنه في الوقت نفسه، أقل دفئا من اللقاء المباشر، إلى جانب أن التربية وإصلاح الأطفال وتقديم التعاليم الأساسية لهم، لم يعد في أولويات بعض الأولياء"، مشيرة إلى أن الطفل نفسه، الذي يشاهد أبويه يقاطعان صلتهما بالأقارب، سوف يأتي دوره ويقوم بالمثل، ومن ثم، لا يكون له أي مفهوم حول صلة الرحم، وأضافت أن "بعض الخلافات العائلية الصغيرة، تتحول أحيانا إلى قطيعة طويلة، بسبب غياب الحوار والرغبة في التسامح، وهو ما يوسع الفجوة بين أفراد الأسرة الواحدة". الإسلام يعطي أهمية عظيمة لصلة الرحم من جانبه، قال محمد لعزوني، إمام مسجد، بأن الإسلام يعطي أهمية كبيرة لصلة الرحم، ويحذر من القطيعة بين الأقارب، مشيرا إلى أن العيد فرصة عظيمة حتى يبادر الإنسان بالصلح وزيارة أقاربه، حتى ولو كان بينهم خلاف، لأن المبادرة بالسلام والتواصل من الأخلاق التي يحبها الله، ويُؤجر عليها الإنسان، ويشير إلى أن صلة الرحم لا تعني فقط الزيارات، بل تشمل أيضا السؤال عن الأحوال والمساعدة عند الحاجة، والوقوف إلى جانب الأقارب في أوقات الشدة، وهذا ما قد يجهله الكثيرون في هذا الخصوص. ويشير الإمام، إلى أن الإسلام شدد على خطورة قطيعة الرحم، حيث قال الله تعالى: "فهل عسيتم أن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم، أولئك الذين لعنهم الله، فأصمهم وأعمى أبصارهم"، وهي آية تبين بوضوح، شدة التحذير من هذا السلوك، كما ورد في الحديث النبوي، أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قال: "لا يدخل الجنة قاطع رحم"، وهو تحذير صريح يدل على خطورة هذا الفعل، ويضيف الإمام أن صلة الرحم، لا تعني فقط الزيارات في المناسبات، بل تشمل السؤال عن الأقارب والاهتمام بأحوالهم ومساعدتهم عند الحاجة، مؤكدا أن العيد فرصة مناسبة حتى يبادر الإنسان بالصلح وإنهاء الخلافات العائلية، لأن المبادرة بالإحسان والتواصل، من الأخلاق التي دعا إليها الإسلام، وجعلها سببا في نيل الأجر والمحبة بين الناس. وشدد الإمام في الأخير، على أن العيد مناسبة عظيمة، تتجاوز المظاهر والاحتفالات والحلويات وارتداء ملابس جديدة، فهو تجديد لروابط العائلة، وفرصة لإحياء القيم التي تجمع الناس وتقوي روابطهم، وعلى كل فرد يضيف الإمام زيارة أقاربه والسؤال عنهم، لأن في ذلك ليس إحياء عادة اجتماعية فحسب، بل إحياء لروح العائلة التي تقوم عليها المجتمعات، وربما تكون خطوة صغيرة، مثل زيارة قريب أو مصافحة فرد منه بعد خلاف، كفيلة بأن تجعل العيد أكثر معنى وصدقا للجميع.