لقد وقع اندلاع ثورة التحرير الوطنية في 1 نوفمبر 1954 في وقت كانت الحرب الباردة في أقصاها بين الغرب والاتحاد السوفيتي. رفضت فرنسا المستعمرة الأخذ بعين الاعتبار طموح الشعب الجزائري في التمتع بالحرية والاستقلال، بالرغم أن هذا الشعب طالما حاول أن يسمع صوته بالطرق السلمية قبل أن يلجأ إلى السلاح، وبقيت فرنسا لم تسمع لنداءات الشعب الجزائري ولا تقبل ولا تستجيب إلا لما لا يزعزع نظامها الظالم، وبقيت تعتبر أن هذا الشعب “القاصر” لا يبحث إلا عن تهديد مصالحها. ومع الطلقات الأولى لثورة التحرير ذهبت فرنسا إلى اعتبار ذلك “عدوانا خارجيا في شكل انتفاضة وطنية” من تدبير الشيوعية. كان هذا المنطق الاستعماري لا يتصور أن بلدا “متخلفا” يجرأ أن يطلب الحرية والاستقلال الوطني والسياسي. إن خيار اللجوء إلى الثورة المسلحة لإنهاء النظام الاستعماري قد لم شمل الجزائريين. إن أساس الروح الوطنية لدى الجزائريين في نصف هذا القرن نشأ من خلال ثقافة الشعب الذي برهن عبر التاريخ قدرته على محاربة كل أشكال الطغيان والاستغلال، وتغذى كذلك من العمل الدءوب للأوساط الدينية لرفض الاندماج وكذلك عمل الأوساط السياسية التي تطالب بالحقوق والعدالة. إن كل هذه العوامل جسدت العزم في تحقيق المطلب الرئيسي في نطاق توافقي وموحد، وهو نيل الحرية للشعب الجزائري. إن مصالح الدعاية الفرنسية أخطأت! لأن اندلاع الثورة هو من صنع الجزائريين وليس من صنع الاتحاد السوفيتي ولا كوبا ولا الصين. إن تضحيات جيل كامل من الشباب لم تذهب سدى! لنتذكر أن مناضلي الحركة الوطنية الذين صنعوا معجزة اندلاع حرب التحرير كانوا كلهم شبابا: ديدوش 27 سنة، بيطاط 29 سنة، بن مهيدي 31 سنة، كريم بلقاسم 32 سنة، آيت أحمد 28 سنة، عميروش 28 سنة، عبان رمضان 34 سنة، ما عدا بوضياف وبن بولعيد وبن بلة وخيدر الذين تجاوزوا الأربعين سنة بقليل. ولقد التحق الطلبة الشبان المضربون عن الدراسة في ماي 1956 وأعمارهم تتراوح بين 17 و19 سنة فقط! إن الكفاح المسلح ثم الدبلوماسي فرض تسجيل “القضية الجزائرية” في جدول أعمال هيئات جمعية الأممالمتحدة. وقصد تحقيق هذا الطموح العظيم المتمثل في تحرير البلاد، تطلب الأمر عدة مراحل منها مرحلة 20 أوت 1955، التي هي عملية سياسية وعسكرية واسعة النطاق، ورغم تسجيل حوادث أليمة وتجاوزات ضد السكان العزل قامت بها قوات الاحتلال، والتي تشابه مجازر 8 ماي 1945 حسب تصريحات القائد العسكري المعروف “سواريس” نفسه، لقد أنقذت عمليات 20 أوت 1955 الثورة من الفشل. وفي سنة 1956 تمكنت جبهة التحرير الوطني من جمع قواتها السياسية والاجتماعية لتضمن عقد “مؤتمر الصومام” التاريخي في 20 أوت من السنة نفسها، وتحقق ذلك بفضل هذا التنسيق بين جميع قوات البلاد، وهو تنسيق لم يتحقق طيلة الفترة الممتدة من 1830 إلى 1954. إن الرهان المتمثل في القدرة على عبور التراب الوطني طولا وعرضا دون السقوط في كمين الاستعمار، والمتمثل كذلك في تحضير النصوص الأساسية لمستقبل الثورة وفي السرية التامة وكذا تحضير وتنظيم لقاء المؤتمر لمدة 20 يوما وفي قلب الجهاز العسكري المستعمر، كلها بمثابة رهان وتحدي لا يمكن أن يتجاهلهما أحد إلا إذا كان من ذوي العقول الدنيئة الذين لم يعترف لهم تاريخ الجزائر إلا بجزء ضئيل. إنها التذكيرات التي نريدها لمواجهة الأفكار المزعومة للذين لم يهضموا بعد إبعادهم عن مثل هذه الأحداث ولم يكونوا من أبطالها. أقرت الأممالمتحدة عام 1960 حق الجزائريين في تقرير مصيره، وهو انتصار هام للشعب الجزائري الذي يجد في هذا القرار بداية نهاية مرارة الاحتلال الذي دام أكثر من 130 سنة. استفادت كل من جبهة وجيش التحرير الوطنيين من الضغط الدولي على المستعمر ليستمر الضغط الداخلي حيث تواصل الكفاح في التراب الوطني وحتى في قلب بلاد المستعمر، وبفضل ذلك اضطرت فرنسا لفتح المفاوضات الرسمية مع الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، وهي بداية النهاية، لكن بأي ثمن؟ فقد فقدت الجزائر مليونا ونصف المليون من أبنائها، وخلّفت الحرب آلاف الأرامل واليتامى.. تم تدمير قرى بكاملها وحرقت الأراضي بالنبالم.. إن ديغول الذي رفض سياسة الاندماج، قاد حربا شرسة ابتداء من صيف 1959 مع محاولة القيام بعمليات اقتصادية واجتماعية مغرية، لم يفلح في التقليص من عزيمة الجزائريين في التحرر من قيود استعمار لاإنساني دام أكثر من قرن، كل ذلك أرغم الجنرال الفرنسي على اقتراح سياسة تقرير المصير الذي تمثل في تنظيم استفتاء شعبي. أصدر الحكم التاريخي في 5 جويلية 1962 الذي منح الجزائر استقلالها بعد 132 سنة من الاحتلال، احتلال أقره “شارل 10” حفيد “لويس 15” وواصل الإشراف على التوسع الاستعماري ابن عمه “لويس فيليب” من 1830 إلى 1848. عانت الجزائر ويلات الاستعمار والاستدمار خلال هذه الفترة التي أوجزها الجنرال “سانت أرنو” بقوله: “ندمر ونحرق وننهب ونريب المنازل ونحطم الأشجار”. طيلة الجمهورية الثانية من 1848 إلى 1852 تحت حكم لويس نابليون بونابرت الذي أصبح فيما بعد “نابليون 3” قاومت الجزائر شراسة قوات الاحتلال التي لم تتوقف عن حرق وتدمير الحقول الزراعية والمداشر بأكملها. وطيلة الجمهورية الثالثة عانت الجزائر من قوانين المستعمر المجحفة والجائرة التي أقرها المجلس سنة 1863، والتي تتضمن تنظيم الحالة المدنية تطبق ابتداء من سنة 1881 بقصد زعزعة المجتمع الجزائري واقتلاعه من أصالته وتشويه هويته، وكل الرؤساء الذين تعاقبوا عايشوا مأساة الجزائريين الذين ظلوا في أنظارهم عبيدا وأجسادا لمدفعية جيشهم. وضع “نابوليون 3” تخطيطا لإدماج الجزائر في “مملكة عربية” تمتد إلى بغداد تحت حكم سوريا. بقي من خلفوه جميعا من ديسمبر 1870 إلى حلول “الجمهورية 3” (من أدولف تييرس في سنة 1871 إلى ألبير لوبران في سنة 1940)، لا يبالون بالكفاح السياسي الذي كانت تقوم به الأحزاب السياسية الجزائرية المسلمة المطالبة بنظام اجتماعي واقتصادي عادل وبدور سياسي يشابه دور الفرنسيين. بقي الأمر نفسه بالنسبة لرؤساء الجمهورية الرابعة: فانسون أريول 1947-1954، روني كوتي 1954-1958 الذي عايش انطلاق ثورة التحرير، شارل ديغول 1958-1965-1969 الرئيس الأول للجمهورية الخامسة الذي عاش فاعلا وشاهدا على تراجع وانكماش موجة الاحتلال لغلق وإنهاء ليالي الاحتلال الطويلة. لقد حان الوقت لاستنطاق كل الفاعلين الذين عايشوا تلك المراحل والذين لا يزالون على قيد الحياة والمؤرخين الذين لا يمكنهم الاستغناء عن تذكير المحيط الدولي بتلك الفترات التي كانت تتميز بالحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والبلدان الغربية. ولكن لنتساءل عن مصير الجزائر ما بعد الاستقلال كيف أصبحت؟ سؤال محرج! لننظر أنفسنا في مرآة الواقع دون حرج! ما هو موقعنا في العالم الذي ترسم معالمه خلال في بداية الألفية؟ يجب أن نتوقع حدوث تغييرات جذرية في العالم خلال 10 أو20 سنة القادمة. سوف توضع معالم جديدة لخريطة العالم بالنسبة للدول وستفرض علينا ولن تكون لصالحنا! إن مخاطر المجاعة والحرب الأهلية ليست بعيدة عنا، إن الأضرار التي سوف تنجر عن ذلك لا تهدد الاستقرار والانسجام الوطني فحسب، بل تزداد فقرا وتجويعا في الأوساط الشعبية الفقيرة. لنطرح سؤالا آخر: هل بلادنا الجزائر في سير منتظم وملائم للوقوف أمام تحديات القرن الجديد؟ والتحديات متعددة ومترابطة، إن مستقبلنا مرتبط بتطور عالم اليوم! إن رهان الماء والبيئة هام جدا، لأن الأمر يتعلق بضمان الأمن الغذائي لما يقارب 60 مليونا جزائريا في تلك الآفاق، إن الموارد المائية تتقلص والأراضي الفلاحية لم تستغل بالكفاية المطلوبة، إن الشعب الذي يقدر على ضمان الاكتفاء الذاتي في الغذاء يمكنه أن يصمد ويواجه كل الرهانات الأخرى. هل باستطاعتنا إبرام شراكة استراتيجية مع القوة الأولى عالميا خارج البعد الأمني؟ هل في استطاعتنا تقاسم نظرة جيو-استراتيجية وتجسيد تحالفات مهيكلة لمواجهة الرهانات الكبرى والتحديات في العالم والعلاقات الدولية؟ لا نغالط أنفسنا، لأن كل واحد يدافع عن مصالحه الخاصة، فمن يدافع عن مصالحنا نحن؟ إن القوى العظمى تراقبنا وتقيّمنا وفقا لمصالحها هي! بالنسبة للجزائر، هناك ثلاثة عناصر أساسية تلفت الانتباه: الموقع الاستراتيجي في إفريقيا وفي البحر الأبيض المتوسط، الفوائد التجارية باعتبار مخزوننا من العملة الصعبة 200 مليار دولار وكذا موارد المحروقات لتموين السوق الأوروبية، ما يعلن عن الاستعجال في وضع سياسة الانتقال إلى طاقة مستقلة طويلة المدى بدلا من توجيه رسالة اطمئنان ظرفية لا تضمن المستقبل. إن المؤشرات كلها في خطر وهذا من شأنه أن يجبرنا على إيجاد حلول مستعجلة لكي ننقذ البلاد من التدهور الاجتماعي. يجب ألا نقلل من أي خطر محتمل، الخطر يحيط بنا من كل جهة والسلم الاجتماعي المصطنع لا يدوم وليس هو الحل الأنجع، وبدلا لذلك يجب التجنيد حول حكامة عادلة جذابة تنجم عن هيئات شرعية وذات مصداقية يتم اختيارها بكل حرية وديمقراطية. إن الخطر الذي يكمن في المساس بأسس هويتنا وبمستقبلنا هو رهينة الوسائل التي تجندها بلادنا قصد حمايته من ظاهرة “الشعوب المعلومة” وأمام التكتلات العظمى التي تسير العالم حسب هواها. لنستغل مناسبة الاحتفال بتاريخ نهضتنا كدولة عصرية لتثمين رسالة أحد أسلافنا “يوغورطا” الذي بذل كل ما في قدراته لمحاربة الإمبريالية الرومانية التي تبنتها فرنسا الاستعمارية، وهي رسالة أستلهمها مناضلو نوفمبر. ألم يحن الوقت للقيام بتفكير جماعي مشترك قصد تحقيق آمال شعبنا وتجسيدها في ديناميكية جديدة وفعالة لصالح جماعتنا الوطنية تتموقع وتنسجم مع واقع عالم اليوم الذي يتطور ويتقدم، ويبقى بإمكاننا أن نحتل مكانة فيه. إن تاريخ 01 نوفمبر 2014 هو الذكرى الستون لاندلاع حرب التحرير، فعلينا الاحتفال به بكل خشوع وإجلال، لأن ذلك يمثل أحسن عمل للعرفان الذي نوليه للشهداء، لنثمن انتصاراتنا بالاستثمار في الحركة العالمية للتطور. ليسمعنا كل العالم ونحن نندد ببشاعة الجرائم التي ارتكبتها فرنسا الاستعمارية ضد الإنسانية في بلادنا، فرنسا ذلك البلد الذي يتغنى بحقوق الإنسان والديمقراطية. إننا نتفاجأ عندما نرى الغرب المنسجم رغم تنوعه البشري يفرض وصفات في الحكامة، ونحن نعلم أنه وفي كل وقت قد قام بإنشاء وفرض ممالك ورؤساء يدعمهم ويحميهم معارضا بذلك كل أشكال التعبير السياسي الحر. وكل ما يهمه هو الاستفادة من اتفاقيات اقتصادية وتجارية يبرمها في غياب معارضة سياسية ذات مصداقية، وكان ينجح في مخططاته لأنه يملك استراتيجيات ورؤى جيو - سياسية معدة بإتقان، ويستفيد من دعم هيئات دولية نصبها بنفسه مثل الحلف الأطلسي والوكالة الدولية للطاقة... إن أسباب إعادة النظر في خريطة العالم عديدة، منها الأسباب الديمغرافية. سوف يصل عدد سكان المعمورة عام 2030 إلى 8 ملايير نسمة يتوزعون كالتالي: 1,4 مليار في إفريقيا (منهم 120 مليون في المنطقة المغاربية) - 700 مليون في أوروبا - 450 مليون في أمريكا الشمالية - 180 مليون في أمريكا اللاتينية - أما الباقي وهو الأغلبية 5,2 مليار نسمة فهو موجود في آسيا والهند. سوف يزداد عدد السكان بما يقارب 1,6 مليار نسمة ونمثل فيها 1% في فضائنا أورو - مغاربي، أي بمقدار قطرة ماء في بحر العالم البشري. إننا نعيش حاليا عصرا زمنيا جديدا، علينا بمواجهة القوى الأجنبية التي تراقبنا وتحكم علينا بمقياس مصالحها الخاصة فقط! وأمام زوبعة جيو - سياسية وجيو - اقتصادية يتضح جليا أنه لن تصمد في الساحة العالمية إلا تلك البلدان التي عرفت كيف تراهن على قدرات شعوبها وعلى بناء هيئات دستورية تستجيب لطموحات في الحرية والديمقراطية والاستقلال السياسي. ما هو حال بلادنا؟ خلال القرن الماضي عاش العالم مئات النزاعات والحروب التي تسببت في ملايين الضحايا وملايين المشردين، والعديد من الحروب الأهلية والتصفيات العرقية والإرهاب. ونعيش حاليا مأساة ومجازر ترتكب في الشرق الأوسط وعلى حدودنا الجنوبية، بينما مأساة أخرى تكاد تنفجر من حين لآخر. وفي مجال آخر، نلاحظ أن البلدان الأسيوية تتجه نحو إفريقيا وتشتري مئات الآلاف من الهكتارات من الأراضي الفلاحية، إن السكوت على مثل هذه المكتسبات غلط فادح! لأن التخوف قائم على أن الانفجار الديمغرافي في إفريقيا سوف يتسبب في مجاعة قاتلة. هل ستحتفظ الشعوب الإفريقية بمنتوج الأراضي التي تشتريها الصين أو الهند؟ هل من الممكن اليوم أن تطالب شعوب العالم بمزيد من التضامن في نطاق توافق دولي وتحت راية مجلس الأمن للأمم المتحدة قصد وضع العالم في مأمن من الكوارث الطبيعية؟ هل من حقنا فعلا أن نطالب بأن تلعب الجزائر دورا في المحافل الدولية، بينما بلادنا غائبة عن كل ما يجري بخصوص تسوية الأزمات والمنازعات عبر العالم؟ إن مكانة كل بلد وإشعاعها بين الدول هي إسقاط لواقعها في الداخل. كيف نتفاجأ بغياب بلادنا في معالجة الملفات الكبرى الدولية، بينما نجد وضع الجزائر المؤسساتي والسياسي في مأزق والتنمية الاقتصادية تتأثر بسوء التسيير؟ لا يمكن تغيير مجرى ما حدث، لكن المستقبل يملكه من يستخرج العبرة ويتعلم مما سبق، ليصل بذلك إلى تأسيس روابط مع التاريخ الذي يفرض علينا كل شيء. * رئيس المجلس الشعبي الوطني الأسبق