يتخبط مجتمعنا في غليان دائم، وعند حدوث أي انفجار تلجأ السلطات العمومية إلى الاستنجاد بحلول ظرفية قصد احتواء الوضع. لم نكن قادرين أمس على تجنيد المجتمع لأننا بكل بساطة عاجزون عن ضمان انتظام الطموحات، وعن خفض الضغوط وإعداد وصفة للتداول، وتحرير الطاقات، وضمان الشفافية التي تؤسس الثقة بين الدولة ومجتمعها. الوضع الراهن ينبئ بغد مخيف على البلاد، لما تعكسه حقيقة اليوم التي يتصدر فيها انهيار أسعار المحروقات الواجهة، كونها المورد الأساسي ب98%. وعليه، فمن اللامسؤولية أن نتبنى مواقف تسويفية مماطلة، مواقف تسودها روح وطنية مزيفة شبيهة حسب المناسبات، كونها لا تخرج عن نطاق الشكليات. حان الوقت، إن لم يفت بعد، لتبني استراتيجية محكمة تتماشى والأسس الفعلية لمعنى التنمية، وتحقيق آفاق جديدة مغايرة لتمكين وطننا من احتلال تلك المكانة المرموقة عالميا، لنستعرض من خلالها قدراتنا على الشراكة والتعاون مع سائر البلدان، غير أن الوضع حاليا يتطلب الوعي ويضعنا أمام حقيقة ضرورة تنمية الاقتصاد، والتي بدورها لا تتحقق إلا من خلال تطهير وتنقية الحركة السياسية في البلاد. إننا بإتمام الإرادة في تحقيق مستقبل أفضل وتجسيدها في الواقع، سنفجر كل الطاقة الإبداعية أمام هؤلاء الذين يبحثون عن ضمان مستقبلهم بواسطة أعمال تخريبية وإرهابية، لنحارب من خلالها شتى الآثار السلبية لمظاهر الفقر وفقدان الأمل في العيش الكريم. طيلة 50 سنة ونحن نناشد التوجه نحو اقتصاد منتج والمضي به قدما خارج قطاع المحروقات، غير أن الواقع المعيش يعكس غير ذلك، وهو ما يترجم وضع عائدات البترول التي تقف مؤشراتها اليوم عند حدود 98% من فاتورة الصادرات، لتمول بذلك 67% من ميزانية الدولة، ما جعل البلاد مجرد حقل تجارب لمختلف الأنماط الاقتصادية. ولو أننا لازلنا نعتقد أننا مررنا بفترات التشييد والتقدم، يبقى التقييم الشامل للاستراتيجيات المتبعة أنها لم تأت بنتائج مرضية، غير أن الأمر الأخطر اليوم هو أنه يستحيل علينا التعرف على حقيقة الاستراتيجية أو النظرة التي تم تحديدها لتحقيق طموحات البلاد المستقبلية. ما العمل عندما نجد أن أحسن وأكفأ خبرائنا في الاقتصاد يقيمون “سلبيا” الوضع في البلاد؟ كيف لا نتخوف عندما نعلم أنه في غضون 10 سنوات المقبلة، سيصل عدد السكان إلى 50 مليون نسمة، بينما يتراجع إنتاج المحروقات (انخفض معدل إنتاج النفط والغاز من 1 إلى 2% سنويا منذ سنة 2008) بالرغم من جملة الاكتشافات والتنقيبات المسجلة من حين لآخر، والاقتصاد المنتج خارج المحروقات يجد نفسه غير قادر على فرض وجوده. حتى لو لم نتجاهل صحة فرضية إنتاج الغاز الصخري بالرغم من جملة المخاطر المنتسبة إليه، والذي يُزعم احتلاله مكان المحروقات، نبقى مجبرين على عدم نسيان حق الأجيال الصاعدة التي نُهبت ثروات بلادها نتيجة السياسات العشوائية غير المنسجمة، والتي أملتها الديماغوجية المتجاهلة بدورها لوقائع العصر. وعليه يتعين على شباب اليوم التحرك تحقيقا لمنفعته من جهة، وحتى لا يبقى تحت رحمة وهيمنة بلدان جعلت من بلده في الماضي مستعمرة لها من جهة أخرى. إن أحسن وأهم الثروات التي في صالحنا تتمثل في امتلاكنا لمناطق منجمية ومخازن للمحروقات سوف تمكننا من تجنب الفخاخ التي تضعها هيئات صندوق النقد الدولي في اقتراحاتها المقدمة للبلدان النامية، والتي تتمثل في منح قروض مقابل التربص في الديمقراطية والتدخل المقنع، رغم أن الدولة فرضت على الشركات الأجنبية المختصة في ذات المجال سياسة “الاستغلال بالشراكة” لمختلف مداخيل معادن الماس ومادة الغاز التي تمثل مكسبا معتبرا. وفي سياق الحديث، نجد كمثال على ذلك النظام الإيراني الذي صوب توجهات سياسته بفضل مداخل “الخمس” الذي يستوجب استفادة الشعب من عائداته مرورا بخزينة الدولة. ليس من العيب أن نقتبس ما يجرى من التسيير والتدابير الحسنة عند الدول الأخرى، لكن دون أن نتخلى عن خصوصياتنا الوطنية، فلماذا لا نستغل المداخيل الضخمة التي يضمنها بيع المحروقات والمقدرة بحوالي 60 مليار دولار سنويا، حسب مجمع “سوناطراك”، والتي بإمكانها أن تساهم في الاستثمار العلمي كما فعلته العديد من الدول الأخرى؟ لقد سمح ارتفاع سعر المحروقات منذ سنة 2000 بتسديد مجمل الديون الخارجية للبلاد، كما مكن من ادخار احتياطي صرف قدر ب200 مليار دولار، ما مكن الدولة من تخصيص صندوق انتظام المداخيل وضمان توازن الميزانية، لكن للأسف، ما مصير 700 أو 800 مليار دولار التي تم إنفاقها دون أخذ الأهداف المعلن عنها بعين الاعتبار بخصوص ضرورة بناء اقتصاد مستقل عن المحروقات؟ حقا، لقد تم تحقيق عدة هياكل واستثمارات في المجال الاجتماعي ساهمت في الرفع من مستوى الرفاه الاجتماعي، لكن مقابل القليل من الإنجازات التي تسمح بإنتاج ثروات هامة ومفيدة. لقد تعرضت الثروة البترولية لتهديدات عديدة، لنجد اليوم أنفسنا وجها لوجه أمام المخاطر التي تزداد أكثر فأكثر، لا بسبب انخفاض الأسعار فحسب، بل بسبب التقلص المستمر للمخزونات وقدرات الإنتاج. وعليه فإنه من المستعجل إطلاق نداء للكفاءات والقدرات العلمية الوطنية وتجنيدها لتتكفل بتسطير مسار مستقبل الجزائر خلال القرن الجاري، وأن تقوم هي الأخرى بسرد التحديات والرهانات التي تواجه البلاد للأجيال الصاعدة، حتى تتولى تحقيق نتائج إيجابية أحسن مما حققناه نحن. النداء اليوم موجه إلى القدرات الذكية الحرة لا إلى تلك الموالية لجهة ما، تلك القدرات الحرة التي تشغلها مصالح الأمة والوطن وتستغني عن المصالح المادية. ومن أهم الفئات المستهدفة هنا تلك الجالية المتكونة من خيرة أبناء هذا الوطن المتواجدين بكندا وعددهم يقدر بحوالي 40000 إطار عالٍ، والذين هاجروا منذ بداية التسعينات بسبب مأساة الإرهاب وسوء التسيير الممارس عبر مختلف هياكل الدولة، والتي أصبح يشرف عليها من ليس لديهم أدنى المستويات العلمية ولا التقنية، وُجدوا لطرد ومعاقبة كل من يثبت كفاءاته وقدراته على تولي المناصب المماثلة. وخير دليل على هذا، ما تم خلال تسعينيات القرن الماضي من تجزئة وإعادة هيكلة المؤسسات الوطنية من زاوية الشروع في “الخوصصة”، بحجة أن الدولة غير قادرة على ضمان السير الحسن لها. وبفضل تسهيلات وتواطؤ من دوائر النفوذ في السلطة، تم إبرام اتفاق مع صندوق النقد الدولي لتفكيك شركات وطنية هامة مثل “أوناكو” و«سوناتيبا” التي أصبحت ملكا لأشخاص دون أدنى مستوى لتسييرها، ورغم ذلك اكتسبوا سمعة وهمية بفضل النظام القائم الذي يحميهم ويحمي مصالحه في الوقت ذاته، ما أدى إلى تفكيك النسيج الصناعي وإقامة اقتصاد “البازار”، وإباحة “استيراد كل شيء” على حساب الريع البترولي الذي لا يمكنه أن يدوم، وسوف يزول يوما لا محالة.