في الوقت الذي دخلت منطقة التبادل الحر الإفريقية حيز التنفيذ مطلع 2021 والتي انخرطت فيها الجزائر بعد المصادقة عليها في أوت 2020، تطفو إلى السطح المزايا والمكاسب التي يمكن أن تجنيها الجزائر والقدرات المتاحة، خاصة في ظل النقائص التي سجلتها الجزائر مع تجارب اتفاقيات مناطق التبادل الحر واتفاقيات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي والمنطقة العربية الكبرى للتبادل الحر التي واجهت فيها الجزائر عجزا واختلالا في أطراف التبادل، ناهيك عن المشاكل القائمة بخصوص قواعد منشأ المنتجات. وقد باشرت الجزائر خطوات لتوسيع دائرة انخراطها اقتصاديا وتجاريا في القارة السمراء. ورغم تشديد السلطات العمومية على ضرورة التأكد من المنشأ الأصلي للسلع والبضائع المتداولة في المنطقة الإفريقية للتبادل الحر وعلى وجوب أو ضرورة ألا تقل نسبة إدماجها عن 50 بالمائة، حتى لا تتسرب إلى السوق المحلية مواد مصنوعة خارج القارة، فضلا عن توسيع دائرة المبادلات، إلا أن الملاحظ بداية أن حجم المبادلات الكلية التجارية بين الجزائر والبلدان الإفريقية دون حساب دول شمال إفريقيا لاتزال متواضعة، حيث لم تتجاوز سنة 2020 مستوى 0.5 بالمائة استيرادا و0.8 بالمائة تصديرا.
طالع أيضا حكم بوتفليقة رهن إرثا تاريخيا مع إفريقيا
وتسعى الجزائر إلى رفع التبادل التجاري مع بقية الدول الإفريقية، خاصة بلدان الساحل، عبر طرق برية صحراوية تربطها بمالي والنيجروموريتانيا بالخصوص، ومشاريع مثل فتح المعابر الحدودية على غرار معبري مصطفى بن بولعيد المرتقب افتتاحهما في أكتوبر 2022، وتكثيف النشاط التجاري مع دول غرب إفريقيا لاسيما بالنسبة لعدد من المنتجات مثل الإسمنت والحديد، ومع ذلك فإن القيمة الإجمالية ونسبة التبادل التجاري السنوي بين الجزائر والبلدان الإفريقية مجتمعة لم تتعد سنة 2020 حدود 3.3 بالمائة استيرادا و8.5 بالمائة تصديرا.
هياكل ومنشآت قاعدية لتفعيل الحركية الاقتصادية
وبادرت الجزائر في سياق تفعيل وتنشيط الحركية الاقتصادية إلى تجسيد مشاريع هيكلية، حيث يتم التركيز على ضمان تفعيل الطريق العابر للصحراء كأداة لتنشيط الحركية التجارية. ويمتد الطريق العابر للصحراء، الذي تم الشروع في إنجازه في سنوات 1960، على مسافة تقارب 10.000 كلم ويربط محوره الرئيسي الجزائر العاصمة بلاغوس بنيجيريا على امتداد نحو 4100 كلم، مع عدة تفرعات تمتد إلى النيجر ومالي والتشاد وتونس. وفي جوان 2022 أقرت الدول الأعضاء في لجنة الربط للطريق العابر للصحراء إنشاء "رواق اقتصادي" لتثمين المشروع، وسيسمح الطريق العابر للصحراء بتقليص فاتورة النقل إلى 20 أو 30 أو بالمائة.
طالع أيضا "الطريق التجاري القديم.. بوابة إفريقيا"
وبالموازاة مع ذلك، فإن البلدان الأعضاء في لجنة الاتصال لوصلة الألياف البصرية المحورية العابرة للصحراء تقوم أيضا بتجسيد المشروع، وتضم اللجنة (الجزائر وتشاد وموريتانياوالنيجر ونيجيريا ومالي)، علما أن الجزائر استكملت أشغال إنجاز شطرها من الألياف البصرية على مسافة 2548 كلم والأمر يتعلق بكابل الألياف البصرية الرابط بين الجزائر العاصمة وإن ڤزام (الحدود مع النيجر) وشطر آخر يصل إلى تندوف (الحدود الموريتانية). وتسمح وصلة الألياف البصرية المحورية العابرة للصحراء بربط وسط إفريقيا بغربها عبر المتوسط من خلال الجزائر. أما المشروع الثالث فإنه يتعلق بأنبوب الغاز النيجيري الجزائري المار عبر النيجر "نيغال". يبدأ خط الأنابيب من إقليم واري في نيجريا ويمر عبر النيجر إلى حاسي الرمل في الجزائر. وفي حاسي الرمل يتم توصيل خط الأنابيب بمنظومة التصدير الجزائري لإمدادات أوروبا ويتم من خلالها نقل الغاز إلى المحاور في القالة وبني صاف على شاطئ البحر المتوسط عبر خطوط عبر المتوسط، ويقدر طول خط الأنابيب ب4,128 كلم، الجزء النيجيري طوله 1,037 كم، وفي النيجر 841 كلم، بينما أكبر وأطول جزء في الجزائر ب2,310 كلم.
مبادلات تجارية مع إفريقيا بحاجة إلى دعم
على صعيد آخر، تشير التقديرات الإحصائية المتوفرة إلى أن حجم المبادلات التجارية مع الدول الإفريقية لا يزال بعيدا عن المأمول، خاصة مع إفريقيا جنوب الصحراء، رغم تسجيل سنة 2021 و2022 نوعا من الحركية في مجال التصدير لعدد من البلدان الإفريقية. ففي سنة 2020 مثلا بلغ حجم المبادلات التجارية بين الجزائر ومجمل دول إفريقيا 3.052 مليار دولار منها 1.998 مليار دولار صادرات و1.124 مليار دولار واردات جزائرية. بالمقابل، بلغ مجموع المبادلات سنة 2019 نحو 3.509 مليار دولار، إلا أن الملاحظ أن النسبة الغالبة من المبادلات تركزت مع دول شمال إفريقيا.
طالع أيضا "الجزائر مؤهلة للريادة الإستراتيجية والأمنية في إفريقيا"
وتوضح التقديرات الإحصائية تواضع المبادلات التجارية البينية التي بلغت 3.50 مليار دولار في سنة 2019 مقابل 3.46 مليار دولار في 2018 مع كل الدول الإفريقية، أي مع حساب دول شمال إفريقيا التي تمثل النصيب الأكبر، وهي قيمة متواضعة جدا إذا ما قورنت مع مبادلات دولة واحدة مثل الصينوفرنسا بل وحتى تركيا. فقد بلغ حجم الواردات الجزائرية من إفريقيا ما قيمته 1.273.86 مليار دولار في سنة 2018 بحصة قدرت ب2.79 بالمائة من إجمالي الواردات الجزائرية، كما قدرت سنة 2019 ب1.339.57 مليار دولار وحصة ب3.19 بالمائة. بالمقابل، بلغت الصادرات الجزائرية نحو إفريقيا 2.181.85 مليار دولار بحصة تقدر ب5.22 بالمائة سنة 2018 وبلغت سنة 2019 ما قيمته 2.169.65 مليار دولار وحصة ب6.06 بالمائة. وسعت الجزائر إلى دعم صادراتها باتجاه منطقة غرب إفريقيا بالنسبة لبعض المنتجات مثل الحديد والإسمنت خلال سنوات 2019 و2020 و2021، كما سعت إلى دعم التجارة البينية بما في ذلك المقايضة مع دول الساحل. وتمثل حصة الصادرات باتجاه إفريقيا جنوب الصحراء في 2020 نسبة 0.80 بالمائة مقابل 7.30 في المائة بالنسبة لشمال إفريقيا، بينما تمثل بالنسبة للواردات 0.47 بالمائة لإفريقيا جنوب الصحراء مقابل 2.79 بالمائة لإفريقيا الشمالية. وتبقى المبادلات الجزائرية الإفريقية متواضعة، كما تبينه المعطيات الإحصائية، في ظل سيادة عدة تجمعات إقليمية إفريقية على غرار المجموعة الاقتصادية لدول وسط إفريقيا "ايكاس" التي تضم بالخصوص أنغولا والكامرون وبوروندي والغابون والكونغو والتشاد ورواندا وجمهورية إفريقيا الوسطى ومجموعة شرق إفريقيا والتي تضم كينيا وتنزانيا وأوغندا وبوروندي ورواندا وجنوب السودان، إضافة إلى الهيئة الحكومية للتنمية "ايغاد" التي تضم سبع دول شرق إفريقيا هي جيبوتي، إثيوبيا، كينيا، الصومال، السودان، جنوب السودان وأوغندا، إلى جانب المجموعة الاقتصادية لدول غربي إفريقيا "ايكواس" وهي أكبر المنظمات الإقليمية الإفريقية وتضم البنين وبوركينافاسو والرأس الأخضر وكوت ديفوار وغامبيا وغانا وغينيا، إضافة إلى غينيا بيساو وليبريا ومالي والنيجر ونيجيريا والسنغال وسيراليون والطوغو، فيما تقيم موريتانيا اتفاق شراكة. وإلى جانب ذلك فإن هنالك جماعة التنمية لجنوب إفريقيا "سادك" والتي تضم جنوب إفريقيا وأنغولا وبوتسوانا وجزر القمر وليسوتو ومدغشقر ومالاوي وجزر موريس، إضافة الى موزمبيق وناميبيا وجمهورية الكونغو والسيشل وايسواتيني سوازيلاندا سابقا وتنزانيا وزامبيا وزمبابوي. يضاف إلى ذلك السوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا "كوميسا" وتضم 21 دولة افريقية.
الجزائر والاتفاقية الإفريقية للتبادل الحر
وبمقتضى الاتفاقية الإفريقية للتبادل الحر سيتم الإلغاء التدريجي للرسوم الجمركية للتجارة بين البلدان الإفريقية بنسبة 90% من بنود التعريفات الجمركية، على فترة تمتد إلى 5 سنوات للدول النامية و10% للدول الأقل نموا. بدأ المسار من مطلع 2021، وفي وقت تعلق السلطات العمومية آمالا للاستفادة من حجم السوق الإفريقية المقدر ب1.2 مليار نسمة ومبادلات تجارية بحدود 3 تريليونات دولار، مع ناتج داخلي قاري إجمالي ل54 دولة إفريقية يقدر ب2.7 تريليون دولار، فإن ضمان القدرة التنافسية للجزائر سيكون على المحك لتفادي إعادة استنساخ تجارب منطقة التبادل الحر العربية، خاصة في ظل وجود تجانس أكبر بين المناطق الاقتصادية المنشأة في إفريقيا منذ مدة، حيث تتم حاليا 16 بالمائة من تجارة الدول الإفريقية فيما بينها، وذلك بشكل أساسي داخل تكتلات اقتصادية، على غرار "مجموعة تنمية إفريقيا الجنوبية والمجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا (سيدياو) ومجموعة شرق إفريقيا"، وبروز دول مؤثرة في ظل صراع استقطاب بين الدول الكبرى والصاعدة، على غرار الدول الأوروبية لاسيما فرنسا وإيطاليا وإسبانيا والولايات المتحدةالأمريكيةوالصين، وحتى تركيا والبرازيل وأطراف إقليمية مثل الإمارات والسعودية ومصر ولبنان، حيث يتعين ضمان فعالية الوسائل اللوجستيكية، سواء الخطوط البحرية أو الجوية، والإجراءات الإدارية القائمة في مجال الصادرات وضمان تجاوز إشكاليات بقواعد المنشأ ودعم القدرات التصديرية الصناعية والزراعية واستكمال ملحق للاتفاق يحدد قواعد المنشأ، وهي خطوة أساسية لتحديد المنتجات التي يمكن أن تخضع للرسوم والجمارك، في حين يشير البنك الدولي إلى أن الاتفاقية تعني بالنسبة لدول العالم تبادلا تجاريا مع القارة الإفريقية بما لا يقل عن 76 مليار دولار، فضلا عن أنها تنتشل عشرات ملايين الفقراء بحلول 2035.