تدخل رواية «البيت الأزرق» للكاتب والشاعر اللبناني عبده وازن عالم السجون، وتغوص في خفاياه وأسراره وهويات السجناء وصراعاتهم في الداخل. والرواية التي صدرت حديثا عن «منشورات ضفاف» في بيروت و»الاختلاف» في الجزائر و»مكتبة كل شيء» في رام الله، تدور بين زمانين ومكانين، ويتناوب راويان على سردها. الأول روائي يعجز عن إنهاء روايته بعدما أخفق في دفع بطلته إلى الانتحار، والثاني شاب مثقف وقارئ نهم مصاب بالاكتئاب يسرد أيامه في سجن (التلة) الذي رُمي فيه بعد اتهامه بجريمة قتل هو بريء منها، وضحيتها امرأة تعمل في حانة ليلية في منطقة جونيه شمال بيروت. وجاءت الرواية في 344 صفحة متوسطة القطع. أما عبده وازن (55 سنة) فهو شاعر وناقد لبناني ومسؤول الصفحة الثقافية في جريدة «الحياة». حاز جائزة الصحافة الثقافية التي يمنحها نادي دبي للصحافة عام 2005، وجائزة الشيخ زايد لأدب الناشئة عن روايته (الفتى الذي أبصر لون الهواء) عام 2012. وفي رواية «البيت الأزرق»، يهيئ الشاب نفسه لانتحار بطيء عبر الانقطاع عن الطعام داخل سجن (التلّة)، غير أن أوراقا مبعثرة تحوي مذكرات كتبها داخل السجن، تقع بين يدي الراوي الأول؛ أي الروائي نفسه العاجز عن إنهاء روايته. وقبل أن يعيد كتابتها ينطلق في البحث عن شخصية المنتحر صاحب المذكرات، ويجد نفسه يحقق في جريمة قتل المرأة التي اتُّهم السجين بها. وبين ما يرويه الراوي الأول وما يسرده الراوي السجين تبرز شخصيات تعاني أزمة فقدان الهوية في مختلف تجلياتها: الشخصية والوطنية والطائفية والجسدية. وفي السجن يكتشف الراوي الآتي من عالم الفلسفة والذي قضى جزءا من حياته يمشي بعدما قرر الانقطاع عن الكلام، عالما غريبا يقطنه أناس غريبو الأطوار: مجانين، مجرمون، أصوليون ومثليون، ولاسيما الشاب المتحول الضائع بين ذكورته وأنوثته. أما في التحقيق فيكتشف الروائي الحياة الليلية وما يكتنفها من أسرار وخفايا، وهو أصلا يعيش حياته مضطربة لا تخلو من علاقات معقدة، وأبرزها علاقة شائكة بامرأة فقدت ثدييها بعد إصابتها بالسرطان. يبدو سجن (التلة) وكأنه يرمز بوضوح إلى سجن رومية الشهير في لبنان، والذي شهد كثيرا من الأحداث. وقال عبده وازن إن «أجواء السجن هي نفسها، والوقائع التي تحصل فيه داخل الرواية هي واقعية وحقيقية، إنما الخيال الروائي يحلّق بالأحداث والشخصيات إلى مرتبة السرد». ويضيف وازن شارحا أجواء الرواية التي تتنقل في رحلة بين عالم علم النفس والتحليل السيكولوجي والعالم البوليسي، «في السجن الذي يكتب عنه الشاب الذي يُدعى بول والذي يدخله بتهمة قتل امرأة مومس تعمل في الحانات الليلية، يتم اكتشاف عالم آخر، مجهول، عالم السجناء مختلفي الهويات؛ كالأصوليين الذين يعيشون في ما يشبه الجيتو الخاص داخل السجن نفسه، ويمارسون طقوسهم ويعيشون حياة سرية لا يستطيع الحراس اختراقها. وعن اختيار عنوان «البيت الأزرق» قال: «في سجن التلة زنزانة كبيرة أو لأقل سجنا خاصا لونه أزرق يُسجن فيه المضطربون عقليا والمرضى النفسيون، وهم يسمون ظلما بالمجانين. وقد خُصص لهم هذا السجن كي يعيشوا في عزلة، وهؤلاء مأساتهم كبيرة؛ فهم لا يخرجون من السجن إلا بعد إثبات شفائهم وليس من أطباء يتابعونهم ويقدرون أن يثبتوا شفاءهم؛ فيُعدون سجناء مدة الحياة». لكن نصف الرواية يدور داخل السجن، بينما النصف الآخر يدور حول الراوي الأول الذي تلقّى أوراق السجين المنتحر عبر الإضراب عن الطعام، فينطلق في ما يشبه التحقيق في جريمة القتل التي اتُّهم بها ورفض أن يدافع عن نفسه في المحكمة. يسعى الراوي – الكاتب إلى كشف سر هذه الجريمة، فيجد نفسه يحقق في عالم الحياة الليلية والنوادي وحانات العاهرات، ويكتشف أشخاصا متورطين في عالم المخدرات حتى يصل إلى التقاط خيط الجريمة التي ألقيت على الشاب بول البريء، والذي كان مصابا بحالة من الاكتئاب. وبعدما يكتشف الراوي – الكاتب جزءا من الحقيقة، يمضي في إنهاء رواية كان قد بدأ كتابتها ووجد نفسه عاجزا عن إنهائها؛ لأنه تردد في دفع بطلته إلى الانتحار. وهنا يستعرض طرائق عدة للانتحار، ليختار الطريقة الأفضل لانتحار بطلته. يعيش الكاتب مغامرات حب، وإحداها قصة تجمعه بفتاة سحاقية فتفشل العلاقة. أما علاقة الحب الأخرى الأشد مأسوية فهي التي تجمعه بفتاة كانت فقدت ثدييها إثر إصابتها بالسرطان، فتعجز عن مواصلة العلاقة لشعورها بنقصان يطاول جسدها وروحها في وقت واحد. يقول وازن: «تسعى روايتي إلى الكشف عن المآسي الصغيرة واليومية التي يحياها أشخاص يعانون ضياع الهوية والعزلة داخل الحياة أو السجن الكبير، كما داخل السجن الحقيقي الذي يخفي الكثير من الأسرار والحالات المأسوية». في «البيت الأزرق» يستخدم وازن تقنية «الرواية داخل الرواية» على مستوى السرد؛ حيث تتداخل المستويات والأصوات والشخصيات والأزمان. هي روايات في رواية مشحونة بالأحداث العنيفة والقاسية والغريبة على الرغم من أنها تستمد أفكارها الأساسية من الواقع ولكن بطرح فلسفي مميز. كما تحمل الرواية جمالا في السرد، وذكاء في طرح قضايا ملحة، وجرأة في التطرق لأمكنة قد تكون محرمة في الرواية العربية، مثل المثلية وجسد المرأة المصاب بالسرطان وحياة الأصوليين، ناهيك عن الخوض في عالم السجن نفسه.