❊ حرص كبير على إفطار المسافرين برّاً وجوّاً ❊ الطلبة الجامعيون في الطليعة تتجدد في الجزائر، بحلول شهر رمضان المبارك، أجمل صور التضامن والتكافل الاجتماعي، حيث تتحول العديد من الساحات والأماكن العامة إلى فضاءات للعطاء والعمل الإنساني. فخلال هذا الشهر الذي تتعاظم فيه قيم الرحمة ومساعدة الآخر، يبرز العمل التطوعي كأحد أهم مظاهر التلاحم بين أفراد المجتمع، ليأتي الهلال الأحمر الجزائري في مقدمة الهيئات التي تسهر كل عام، على تنظيم مبادرات تضامنية واسعة عبر إقامة خيمات إفطار، وتوزيع وجبات على الصائمين في مختلف ولايات الوطن، لفائدة المحتاجين، وعابري السبيل، والمسافرين الذين يدركهم موعد الإفطار بعيدا عن بيوتهم؛ لظروف قد تكون أحيانا قاسية جدا. وفي الجزائر العاصمة، كان النشاط واضحا منذ الأيام الأولى للشهر الفضيل. فمن ساحة أول ماي بمحاذاة مستشفى مصطفى باشا، مرورا بميناء الجزائر إلى محطة المسافرين خروبة، وصولا إلى المطار الدولي الجزائري، انطلقت فرق الهلال الأحمر في تحضيرات مكثفة، لتنظيم موائد إفطار للصائمين. غير أن الملفت للانتباه في هذه المبادرات ليس، فقط، عدد الوجبات أو الخيمات المنتشرة، بل الحضور القوي للشباب، خاصة الطلبة الجامعيين، الذين اختاروا أن يكونوا جزءا من هذا العمل الإنساني. حيث بدت الحركة كبيرة منذ ساعات النهار الأولى، في يوم تقاسمت فيه "المساء" أجواء ذلك العطاء، حين انخرط جميع المتطوعين من مختلف الفئات العمرية نساء ورجالا، في التحضير، والترتيب، والتنسيق لاستقبال الصائمين قبل أذان المغرب. ساحة أول ماي.. بداية الحكاية في الساحة العمومية أول ماي وعلى مقربة من مستشفى مصطفى باشا، بدأت التحضيرات منذ ساعات مبكرة من النهار. خيمة عملاقة تبدو ساكنة من خارجها، لكن وراء ستارها حركة سريعة وليس أبدا بنفس هدوء ظاهرها، خيمة نُصبت بعناية، وطاولات رُتبت في صفوف منظمة، كل شيء كان جاهزا بحلول العصر. تمرات أُعدت لكل صائم، في تفاصيل لم تختلف عن أجواء البيت والعائلة، بل وحتى أكثر تنظيما أحيانا...لم يتبقّ الا الوجبات التي لا بد أن تقدَّم ثواني فقط قبل الأذان، لتكون ساخنة، تمنح الدفء مع موعد استقبال الصائمين في يوم شتوي. هناك كان المتطوعون يعملون بتناغم واضح؛ بعضهم ينقل صناديق التمر والمياه، وآخرون يحضّرون السلطات بعناية، وغيرهم يوزعون اللبن كجزء راسخ من تقليد كسر الصيام، في حين تفرّغ متطوعون لتجهيز الأطباق، بينما يتأكد فريق آخر من نظافة المكان، وترتيبه؛ كان كل فرد يدرك تماما ما لديه من مهام ومسؤولية حتى لا ينقص شيء أمام عابري السبيل والضيوف جميعا عندما يحين موعد الإفطار. وقبيل أذان المغرب بدقائق تمتلئ الخيمة تدريجيا بالعمال، وعابري السبيل، والمرضى ومرافقيهم، في مشهد إنساني تختلط فيه الابتسامات بالدعوات الصادقة لكل من ساهم في هذا العمل.. فالجميع مرحب بهم، وكأن المكان متسع للجميع. وكلما زاد العدد زادت فرحة المتطوعين هناك. وفي هذه المحطة كان ل"المساء" حديث مع محمد أمزيان، ممثل الهلال الأحمر الجزائري، الذي قدّم تفاصيل حول هذه المبادرة التضامنية، موضحا أن الهلال الأحمر يعمل خلال شهر رمضان على تقديم ما بين 800 و1200 وجبة إفطار يوميا في كل مطعم تابع للهلال، لفائدة الصائمين، مؤكدا أن هذه العملية تتم في إطار تنسيق واسع مع وزارة الداخلية والسلطات المحلية، إلى جانب مساهمة عدد من المتعاملين الاقتصاديين على غرار "موبيليس". وأشار المتحدث إلى أن كل محطة من محطات الإفطار تشهد مشاركة كبيرة للمتطوعين، يشارك فيها حوالي 100 متطوع في كل مطعم؛ لإنجاح المهمة. ويسهرون، يوميا، على تنظيم العملية؛ من تحضير الوجبات، إلى استقبال الصائمين، وتوزيع الطعام، مضيفا أن الهلال الأحمر سجل هذه السنة مشاركة غير مسبوقة في العمل التطوعي، حيث انضم أكثر من 1400 متطوع، غالبيتهم من الشباب والطلبة الجامعيين، الذين أبدوا حماسا كبيرا للمساهمة في هذا العمل الإنساني التضامني، وضمان عملية سلسة لا تشوبها شائبة لا من حيث التنظيم، ولا حتى من حيث نوعية وتنوع الطعام؛ إذ لكل يوم لائحة طعام مختلفة عن اليوم السابق؛ احتراما للصائمين، ورغبة كل نفس في تذوق أصناف مختلفة من أطباق وتقاليد الطبخ الجزائرية الخاصة بالشهر الفضيل. ولم يقتصر نشاط الهلال الأحمر على شهر رمضان فقط، إذ أكد أمزيان أن المبادرات التضامنية ستتواصل، أيضا، بمناسبة عيد الفطر؛ من خلال تنظيم عملية واسعة لتوزيع ملابس جديدة على نحو 50 ألف طفل من العائلات المحتاجة عبر مختلف ولايات الوطن. محطة خروبة.. إفطار المسافرين أما في محطة المسافرين خروبة، فالصورة تختلف قليلا، لكنها لا تقل إنسانية. هنا يتوافد المسافرون من مختلف ولايات الوطن، بعضهم في طريقه إلى عائلته لقضاء رمضان. وآخرون اضطرهم السفر للبقاء بعيدا عن بيوتهم وقت الإفطار. وعند مدخل المحطة ينتظرهم متطوعو الهلال الأحمر بابتسامة، ووجبة إفطار جاهزة. طاولات بنفس النظام. كل شيء جاهز منذ ساعات أولى من اليوم. وفي لحظات قليلة قبل أذان المغرب، تتحول قاعة الانتظار إلى مائدة جماعية تجمع مسافرين لا يعرف بعضهم بعضا، لكن يجمعهم دفء الشهر الفضيل، وأجواء إنسانية تتحول من قاعة باردة الى منزل مفتوح بفضل الأجواء العائلية هناك. وحسب أحمد عليلش، عضو بالهلال الأحمر، فان محطة خروبة تشهد أكبر مطعم للهلال الأحمر؛ إذ تجمع بين 1200 و1700 شخص يوميا تقريبا، موضحا أن الهلال يهدف يوميا إلى توفير أجواء مريحة لكل من يتقاسم وجبته هناك في أحضان المطعم، ومؤكدا أن الهلال يسهر على توفير للعائلات أجواء مريحة، تجعلهم يتشاركون الوجبة دون شعور غريب؛ لبعدهم عن البيت. المطار الدولي... تضامن عابر للحدود وفي المطار الدولي الجزائري، يحرص الهلال الأحمر الجزائري على أن لا تفُوت أيَّ مسافر صائم فرصةُ الإفطار. فقبل موعد المغرب خصص الهلال كشكا بالطابق الأرضي لتوزيع وجبات ساخنة وعصير وماء وتمر للصائمين، سهلة الحمل؛ حتى لا يفوت أحدا رحلته. مشهد يختزل الكثير من المعاني الإنسانية، حيث يلتقي المسافرون من مختلف الجنسيات والثقافات، حول غذاء بسيط لكنه مليء بروح التضامن، هذا ما أكده سعداوي عبد الحق، متطوع وطالب جامعي منهمك في توزيع الوجبات على المسافرين بابتسامة عريضة، أوضح أن الهلال يعمل على توزيع تقريبا 1500 وجبة يوميا بمطار هواري بومدين الدولي. شباب جامعيون في قلب المبادرة وسط أجواء التحضير والتنظيم، كان حضور الشباب الجامعيين لافتا في مختلف مواقع الإفطار، حيث التقت "المساء" بعدد من المتطوعين، الذين عبّروا عن حماسهم الكبير للمشاركة في هذا العمل الإنساني. جنان أبوطعيمة طالبة فلسطينية تبلغ من العمر 18 سنة، أكدت أن العمل التطوعي في الهلال الأحمر كان تجربة مميزة بالنسبة لها، قائلة إن مساعدة الصائمين ومنحهم لحظة راحة عند الإفطار يمنح المتطوع شعورا جميلا بالعطاء. وتشاركها صديقتها ميرة أسامة ديوان وهي، أيضا، طالبة فلسطينية نفس الحماس، حيث أوضحت أن هذه المبادرة تعزز روح التعاون بين الشباب، وتعلمهم معنى التضامن، ومساعدة الآخرين، داعية الشباب إلى الانخراط في مثل هذه النشاطات الإنسانية. ومن بين المتطوعين أيضا الذين حدثتهم "المساء" سفيان بن غالب، 28 سنة من العاصمة، الذي أوضح أنه حاول في سنوات سابقة، الانضمام إلى العمل التطوعي، لكنه لم يتمكن من ذلك قبل أن ينجح هذه السنة، في الالتحاق بفريق الهلال الأحمر، مؤكدا أنه قرر التفرغ لهذا العمل خلال الشهر الفضيل؛ لما يحمله من قيم إنسانية نبيلة. أما المتطوعة لاغا ناريمان فترى أنّ في العمل الخيري لذة لا توصف، معتبرة أن هذه المبادرات تخلق بين المتطوعين نوعا من العائلة الجديدة، التي يجمعها حب الخير، والعمل الإنساني. وأضافت أن التطوع كان دائما حلما يرافقها منذ الطفولة، خاصة أن روح المساعدة والعمل الخيري من القيم التي نشأت عليها داخل عائلتها. وأشادت نور الهدى رمضان نائب رئيس الهلال الأحمر لولاية الجزائر، بالمشاركة الواسعة للشباب، خاصة الطلبة الجامعيين، في مختلف المبادرات التضامنية التي ينظمها الهلال خلال شهر رمضان، مؤكدة أن هذا الحضور القوي يعكس عمق روح التضامن والعمل الخيري المتجذرة في المجتمع الجزائري. وأوضحت أن انخراط الشباب في مثل هذه النشاطات الإنسانية، لا يقتصر، فقط، على تقديم المساعدة للمحتاجين وعابري السبيل، بل يساهم، أيضا، في ترسيخ قيم العطاء، والتكافل، وحب الغير.