أبرز المشاركون في الملتقى العلمي الوطني، المنظم يومي 28 و29 مارس الجاري، بمقر الزاوية التجانية بتماسين (توقرت)، الدور الروحي والاجتماعي والتاريخي للزوايا والطرق الصوفية في الجزائر إبان فترة الاحتلال الفرنسي، حيث أشار شيخ الزاوية التجانية الدكتور محمد العيد التجاني، إلى أن هذا الملتقى، المنظم بالشراكة مع جامعة الوادي وعدة هيئات علمية، يأتي ليؤكد "الأهمية العلمية لدراسة أدوار الزوايا والطرق الصوفية في تاريخ الجزائر، بوصفها مؤسسات روحية وفضاءات للتربية وصناعة الوعي المجتمعي". وأضاف أن هذا اللقاء يأتي أيضا ضمن "مقاربة علمية لبناء معرفة تاريخية متوازنة، تستحضر الأبعاد الروحية والاجتماعية للزوايا والطرق الصوفية في الجزائر". من جانبه، تطرق شيخ الزاوية الرحمانية بعزازقة (تيزي وزو)، عبد الله شرشم، إلى فضل الزوايا كمؤسسات دينية شعبية، كانت بمثابة الحصن المنيع أمام كافة محاولات التدنيس وطمس الهوية والثوابت الوطنية، إلى جانب مساهمتها في الحفاظ على المرجعية الدينية ودورها التاريخي والنضالي في دعم المقاومات الشعبية، على غرار المقاومات التي قادها الأمير عبد القادر والشيخ بوعمامة والشيخ الحداد. بدورها، ركزت الدكتورة أمينة تجاني من جامعة الوادي، على الدور التربوي والاجتماعي للزوايا الدينية في الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية، من خلال استحضار تجربة الزاوية التجانية بتماسين كنموذج، وما قدمته من إسهامات في مجال التعليم والتربية، بالإضافة إلى دورها في ترسيخ قيم التكافل والتضامن الاجتماعي. وأبرز المتدخلون، أهمية الحفاظ على الأرصدة الأرشيفية التاريخية للزوايا في الجزائر، عن طريق تعزيز آليات حفظه وتثمينه ورقمنته، مع الحرص على تشجيع البحوث العلمية الأكاديمية، التي تتناول أدوار الزوايا والطرق الصوفية، وإبراز حضورها في مختلف الجوانب. للإشارة، جمع هذا الحدث العلمي الهام، العديد من الباحثين والأكاديميين والمختصين من مختلف الجامعات الجزائرية والدولية، لمناقشة الدور الحيوي الذي لعبته الزوايا والطرق الصوفية في تاريخ الجزائر، خاصة في الفترة الاستعمارية. كانت الزوايا والطرق الصوفية عبر التاريخ الجزائري، بمثابة مؤسسات وهيئات شعبية لعبت دورًا محوريًا في الحفاظ على الهوية الوطنية، حيث وفرت فضاءات متعددة الأبعاد والوظائف، تجمع بين البعد الروحي والتربوي والاجتماعي والثقافي والسياسي. وقد أسهمت الزوايا والطرق الصوفية بفعالية في مقاومة محاولات الطمس التي فرضها الاستعمار الفرنسي، من خلال ترسيخ قيم الهوية والانتماء الوطني، على الرغم من ظروف الاحتلال القاسية. بعد سقوط العاصمة الجزائرية وتوسع رقعة الاحتلال الفرنسي، تمكن المستعمر من إحكام قبضته العسكرية على البلاد، ما دفعه إلى إطلاق برامج ثقافية وسياسية وتبشيرية، تهدف إلى طمس الهوية الوطنية. في تلك الأوقات العصيبة، قامت الزوايا والطرق الصوفية بدور أساسي في الحفاظ على المرجعية الدينية والثقافية، من خلال المدارس والزوايا التي تخصصت في التعليم القرآني والشرعي. كما لعبت الزوايا دورًا محوريًا في إنتاج النخب العلمية والثقافية والسياسية، التي قادت الحركات التنظيمية والثورية في الجزائر، حيث نظمت الحياة الروحية للأفراد والجماعات، وأدخلت المجتمع في معارك التحرير الوطني. إن القراءة المتأنية لمسار المقاومات الشعبية والانتفاضات الوطنية في الجزائر، تكشف عن دور الزوايا والطرق الصوفية في تأصيل الوعي الوطني، ومشاركتها الفاعلة في العديد من المقاومات الشعبية ضد الاستعمار الفرنسي. فقد كانت هذه الزوايا بمثابة الوعاء الحاضن للوعي الثوري، ومنطلقًا للعديد من الثورات، مثل مقاومة الأمير عبد القادر وثورة الشيخ الحداد وثورة المقراني. لقد كانت الزوايا الملاذ الآمن والمقاوم ضد محاولات التفكيك الاجتماعي والثقافي، حيث أسهمت في نشر الوعي الوطني وحشد الجهود نحو استعادة الهوية الوطنية. في هذا السياق، تواصلت الزوايا مع الحركة الوطنية الجزائرية، لتظل شريكًا أساسيًا في النضال، من أجل الحفاظ على مقومات الأمة الجزائرية. وعندما اندلعت ثورة التحرير الوطني (1954-1962)، كانت الزوايا والطرق الصوفية لا تزال حاضرة وبقوة في دعم النضال الثوري. وقد كانت منطقة القبائل واحدة من أبرز المناطق التي برز فيها دور الزوايا، حيث شكلت هذه المنطقة نموذجًا في حماية الهوية الدينية والثقافية، وأسهمت في تعبئة السكان ودعم المقاومة الشعبية منذ بداياتها الأولى. كما لعبت منطقة الجنوب الجزائري، دورًا مهمًا في توفير الدعم الروحي والسياسي للمجاهدين، حيث احتضنت شبكة واسعة من الزوايا التي كانت تشكل حصونًا دفاعية أمام الاستعمار الفرنسي. من جانب آخر، كانت مناطق الشرق والغرب والوسط الجزائري أيضًا، من بين المناطق التي شهدت نشاطًا واسعًا للزوايا، ما جعلها فضاءات حيوية للتنشئة الروحية والاجتماعية. كما أن هذا الانتشار الجغرافي الواسع للزوايا، أسهم في خلق شبكة متماسكة من العلاقات الروحية والاجتماعية، مما عزز الوحدة الوطنية، وأدى إلى تعزيز الروح الثورية ضد الاستعمار. تجدر الإشارة، إلى أن تسليط الضوء على دور الزوايا والطرق الصوفية في الحفاظ على الهوية الوطنية، وترسيخ المرجعية الدينية خلال مرحلة الاستعمار، يعد أمرًا ضروريًا للبحث والدراسة، من خلال الوثائق الأرشيفية والشهادات التاريخية للمجاهدين، وهو ما يسمح بإعادة قراءة تاريخ الجزائر الحديث من زاوية متوازنة، تعطي لهذه المؤسسات الروحية والاجتماعية حقها، باعتبارها فاعلاً أصيلاً في مسار الكفاح الوطني. وقد أثبتت الزوايا أنها لم تكن مجرد أماكن للتعليم الديني، بل كانت أيضًا قلاعًا للحفاظ على الهوية الوطنية، ومشاتل للمجاهدين ومنارات للمقاومة، التي أذكت روح التضحية والفداء في نفوس الجزائريين. يهدف الملتقى، إلى تسليط الضوء على الأبعاد الروحية والاجتماعية والثورية للزوايا والطرق الصوفية في الجزائر، ودورها البارز في تعزيز الهوية الوطنية والمساهمة في المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي. كما يتناول الملتقى الأثر الكبير للزوايا في نقل القيم الدينية والاجتماعية عبر الأجيال، إلى جانب دورها في تشكيل الثقافة الوطنية الجزائرية. الملتقى شهد مداخلات علمية متنوعة، حيث تناول المشاركون الموضوعات المتعلقة بالحضور الثقافي والديني للزوايا في مختلف مناطق الجزائر، خلال الفترة الاستعمارية. كما بحث الملتقى في كيفية تأثير هذه الطرق على المقاومة الشعبية والثورات التي اندلعت ضد الاحتلال الفرنسي، وكيف كانت الزوايا تعمل كحاضنات للوعي الوطني والروح الثورية. من المتوقع أن يُساهم الملتقى في فتح آفاق جديدة للبحث العلمي، حول الزوايا والطرق الصوفية في الجزائر، وتوثيق دورها في تحفيز الحركة الوطنية الجزائرية. كما سيوفر الفرصة للباحثين، لعرض نتائج دراساتهم ومناقشة سبل تعزيز هذا التراث الثقافي الكبير، الذي يُعتبر جزءًا لا يتجزأ من ذاكرة الجزائر الشعبية.