برزت أسماء نسوية، استطاعت أن تفرض حضورها في مجالات البحث والمعرفة، ومن بينها الدكتورة ليلى بلقاسم، التي تُعدّ من الوجوه الأكاديمية البارزة في قسم التاريخ بجامعة غليزان. فقد تمكنت عبر مسار علمي متميز، من ترسيخ مكانتها كباحثة متعمقة في قضايا التاريخ الجزائري المعاصر، مستندة إلى منهج علمي، يجمع بين صرامة البحث الوثائقي والانفتاح على الوسائط التكنولوجية الحديثة. انطلقت المسيرة العلمية للدكتورة ليلى بلقاسم من جامعة وهران "1"، حيث حصلت على شهادة الليسانس سنة 2001، قبل أن تواصل مشوارها الأكاديمي، بالحصول على شهادة الماجستير عام 2015، من الجامعة نفسها. ولم يتوقف طموحها عند هذا الحد، إذ توجت مسارها العلمي بنيل درجة الدكتوراه في التاريخ والحضارة والعلوم الإسلامية سنة 2018، تحت إشراف البروفيسور مهديد إبراهيم. وقد ركزت أبحاثها بشكل أساسي، على قضايا الاستيطان والملكية العقارية خلال الحقبة الاستعمارية، وهو ما منحها أدوات تحليلية دقيقة، لفهم السياسات الاستعمارية الفرنسية في الجزائر. يتميز العمل البحثي للدكتورة بلقاسم، باعتمادها الواسع على المادة الأرشيفية الأصلية، حيث لم تكتفِ بالمصادر التقليدية، بل وسّعت مجال بحثها ليشمل الأرشيفات الدولية، خاصة أرشيف أكس بروفانس بفرنسا، الذي يعد من أهم المراكز الأرشيفية الخاصة بتاريخ الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية. كما برزت في استغلال الأرشيف التونسي، حيث قامت بترجمة ودراسة مراسلات أبناء عائلة المقراني، المقيمين بتونس خلال الفترة الممتدة بين 1888 و1915، محولة تلك الوثائق إلى دراسة أكاديمية رصينة، تسلط الضوء على جوانب من التاريخ الجزائري خارج الحدود، وفي إطار تجديد المقاربات المنهجية في البحث التاريخي، عملت الدكتورة بلقاسم على تحويل التاريخ الشفوي والسمعي إلى مادة علمية موثقة، من خلال جمع شهادات حية لمجاهدين، حول الثورة التحريرية في المنطقة الرابعة من الولاية الخامسة التاريخية، خلال الفترة ما بين 1956 و1962. كما امتدت اهتماماتها البحثية إلى قضايا معاصرة، من بينها دراسة دور الذكاء الاصطناعي في دعم تطبيقات التواصل الاجتماعي في البحث التاريخي، في محاولة لربط أدوات العصر الحديث بعلوم التاريخ، ولم تقتصر مساهماتها على البحث الأكاديمي، بل شملت أيضاً العمل الإداري والبيداغوجي داخل الجامعة، حيث تولت رئاسة قسم التاريخ بجامعة غليزان بين سنتي 2021 و2024، وقبل ذلك رئاسة قسم علوم التربية بين 2020 و2021. كما أشرفت على عدد من التخصصات العلمية، من بينها الاتصال والعلاقات العامة، إضافة إلى تأطير الطلبة في الجذوع المشتركة للعلوم الإنسانية والإسلامية. وفي إطار دعم الطلبة الباحثين، وضعت الدكتورة بلقاسم بين أيدي طلبة الماستر، مؤلفاً بيداغوجياً بعنوان "منهجية البحث التاريخي وتقنياته: إعداد مذكرة الجانب التطبيقي"، صدر خلال الموسم الجامعي 2024-2025، ليكون مرجعا عمليا يساعد الطلبة على اكتساب أدوات البحث العلمي. كما تشرف حالياً على "نادي الذاكرة والتاريخ" بجامعة غليزان، للفترة الممتدة بين 2023 و2026، بهدف ترسيخ ثقافة البحث التاريخي وتعزيز الوعي بالذاكرة الوطنية لدى الطلبة، وتتركز معظم دراساتها حول تاريخ الغرب الجزائري، حيث أنجزت عدة أبحاث حول الفوتوغرافيات المحلية، من بينها دراسة المركز الاستيطاني لمدينة غليزان، والبلدية المختلطة "رونو"، إضافة إلى تحليل قرار السيناتوس كونسيلت وتأثيره على قبيلة مازونة، خلال الحقبة الاستعمارية. كما قدمت دراسات بيوغرافية حول شخصيات علمية ووطنية بارزة في المنطقة، على غرار الشيخ محمد بن عزوزي، إلى جانب دراسة نشاط الشيخ عبد الحميد بن باديس في مدينة غليزان، وعلى الصعيد الدولي، مثلت الدكتورة ليلى بلقاسم الجزائر في عدد من الملتقيات العلمية، من بينها ملتقيات تناولت قضايا الحوار المجتمعي والرياضة والحركة الوطنية، إضافة إلى مشاركتها في ملتقى دولي بتونس في أفريل 2025، حول هجرات الجزائريين نحو بلاد الشام في مطلع القرن العشرين. يعكس هذا المسار الأكاديمي المتميز، صورة المرأة الجزائرية، التي نجحت في الجمع بين البحث العلمي وخدمة الذاكرة الوطنية، لتؤكد من خلال تجربتها، أن حضور المرأة في ميدان التاريخ ليس مجرد مشاركة، بل إسهام فعلي في كتابة صفحات من ذاكرة الوطن للأجيال القادمة.