كشف المدير العام للأرشيف الوطني، الدكتور محمد بونعامة، عن دخول مسار حفظ وتثمين الذاكرة الوطنية في الجزائر مرحلة جديدة، ترتكز أساسا على التحول الرقمي، وتحديث آليات تسيير الأرشيف، ضمن رؤية تهدف إلى جعل الوثيقة التاريخية أكثر قربا من الباحثين والطلبة، وتعزيز حضورها في مختلف الدراسات الأكاديمية. وأوضح بونعامة، في تصريح ل«المساء"، على هامش الملتقى الوطني حول دور جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، المنظم أول أمس، بمناسبة إحياء يوم العلم، والذي احتضنه المركب الإسلامي الثقافي "العلامة عبد الحميد بن باديس" بقسنطينة، أن المؤسسة تعمل حاليا على إعداد معايير وطنية موحدة للتحول الرقمي، تقوم على أسس علمية دقيقة، تشمل الفهرسة والوصف وتنظيم الوثائق، بما يتماشى مع الاستراتيجية الوطنية للرقمنة، كما أبرز أن هذا التوجه سيفتح آفاقا أوسع أمام الباحثين والطلبة، من خلال إتاحة الأرشيف بشكل تدريجي، سواء على المستوى الداخلي أو عبر المنصات الرقمية عن بعد. وشدد المسؤول على أن تثمين الذاكرة الوطنية، يظل مرهونا بالاعتماد على مرجعية أرشيفية دقيقة، تتيح بناء قراءة علمية ومتوازنة لتاريخ الجزائر، مع إبراز إسهامات مختلف النخب الفكرية والسياسية والنضالية، التي كان لها دور بارز في استرجاع السيادة الوطنية. وفي السياق ذاته، أشار بونعامة إلى خصوصية التجربة الجزائرية في مسارها التحرري، والتي تميزت بمحطات مفصلية، شكلت مرجعا أساسيا في التاريخ الوطني، على غرار بيان أول نوفمبر 1954، ومؤتمر الصومام سنة 1956، اللذين أسسا لمعالم الاستراتيجية السياسية والدبلوماسية للثورة الجزائرية، إلى جانب تكريس أبعادها الفكرية والثقافية. كما لفت إلى أن الأرشيف الوطني يعتمد حاليا، على شراكات مع مختلف الجامعات الجزائرية، بهدف تسهيل الولوج إلى الوثائق التاريخية وتوظيفها في البحث العلمي، مؤكدا أن مسار الرقمنة من شأنه تعزيز تثمين هذا الرصيد الوثائقي، وضمان استمرارية الاستفادة منه لفائدة الأجيال القادمة. وأبرز المدير العام للأرشيف الوطني أهمية هذا اللقاء العلمي، الذي شكل فضاء للنقاش حول دور جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في ترسيخ الهوية الوطنية، والحفاظ على الذاكرة التاريخية للجزائر، إلى جانب تسليط الضوء على مكانة البحث العلمي في صون هذا الإرث وتعزيزه. من جهته، أكد منسق لجنة الذاكرة والتاريخ، الأستاذ لحسن زغيدي، أن هذه الاحتفالية كرست مكانة قسنطينة كحاضنة للعلم والعلماء، ومركز إشعاع فكري وثقافي ظل عبر مختلف الحقب، منارة للمعرفة والإصلاح، خاصة بالنظر إلى ارتباطها بتاريخ الشيخ عبد الحميد بن باديس ومسيرته في نشر الوعي وبناء الإنسان. وأضاف زغيدي، أن المناسبة شكلت فرصة لاستحضار الدور الريادي، الذي اضطلعت به جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، في ترسيخ الهوية الوطنية والحفاظ على مقومات الشخصية الجزائرية، من خلال نشاطها التربوي والإصلاحي، الذي ساهم في إعداد أجيال واعية ومتمسكة بثوابتها.