يراهن البرنامج الرئاسي للسيد عبد العزيز بوتفليقة، الذي فاز بعهدة جديدة بنسبة عالية، على استحداث رؤية جديدة لسياسة التجديد الوطني، التي وضع أسسها الأولى منذ إطلاقه سلسلة الإصلاحات في 15 افريل 2011، وذلك في سياق التكيف مع المعطيات الجيواستراتيجية التي فرضتها التحولات الإقليمية، ولعل النظرة الاستشرافية لرئيس الجمهورية في تحيين متطلبات المرحلة مع التحديات التي تواجه المنطقة والتي ارتكزت على الحفاظ على الاستقرار والوحدة الوطنية بعد العشرية العصيبة التي مرت بها البلاد، قد ساهمت بشكل كبير في ضمان سيرورة الإصلاحات مع الحرص على استكمالها في العهدة الرئاسية الجديدة. وبغض النظر عن الثقة الكبيرة الممنوحة للرئيس بوتفليقة في هذا الاستحقاق الرئاسي الخامس في عهد التعددية، يمكن قراءة فوز رئيس الجمهورية في هذا الاقتراع المصيري على أنه نجاح في إيصال رسائل المترشح الحر إلى المواطنين خلال الحملة الانتخابية التي قادها ممثلوه عبر مختلف مناطق البلاد طيلة ثلاثة أسابيع كاملة. وبلا شك فإن الواقعية التي لازمت خطابات ممثلي المترشح بوتفليقة بخصوص وعود المرحلة القادمة، قد سهلت الكثير من الأمور، لا سيما وأن الأمر يتعلق أساسا باستكمال النهج الإصلاحي الذي شرع فيه خلال السنوات الماضية والذي أعطى الكثير من النتائج الملموسة على أرض الميدان، وهو ما شكل تطمينات للمواطنين الذين يتطلعون إلى المزيد من الانجازات والمكاسب على كافة الأصعدة. وعليه فإن الرهان القادم للرئيس المترشح لن يكون سهلا في ظل ما ينتظره من تجسيد للوعود لاسيما بخصوص الانشغالات الاجتماعية الكبيرة والتحولات الاقتصادية التي تفرض نفسها، لكن يبدو أن الثقة في المضي قدما بمشاريع البرامج المعلنة تظل كبيرة في سياق يعطي الانطباع بأن العهدة الرابعة ستجدد العهد مع المسار الإصلاحي الجديد للبلاد من خلال سياسة التجديد الوطني التي حملها عنوان العهدة الرابعة. ومن هذا الباب، كانت مسائل تطوير الاقتصاد ومواصلة الإصلاحات السياسية والاجتماعية، التنمية، الاستقرار والأمن والاستجابة للطلب الوطني على السكن والشغل، إلى جانب تكريس المكانة الدولية للجزائر على الساحة الدولية، أبرز المحاور التي ركزت عليها الحملة الانتخابية للمترشح الحر عبد العزيز بوتفليقة الذي يحرص في هذا الإطار على تعزيز الصرح المؤسساتي والسياسي للبلاد، من خلال قوانين مطابقة للتحولات المستقبلية التي من شأنها تحصين الجزائر من كل أنواع التهديدات الخارجية. وهو ما تطمح إليه سياسة التجديد الوطني في شقها السياسي والتي تهدف، حسب البرنامج الرئاسي، إلى تفعيل هياكل ومؤسسات الدولة مع تشجيع عنصر الشباب على التدرج في مناصب صنع القرار، إلى جانب إشراك المرأة في العمل السياسي. وكل ذلك يندرج في إطار تأسيس الجمهورية الثانية التي يطمح إليها الرئيس بوتفليقة بعد أن نجح في إعادة بناء البلاد بعد العشرية السوداء التي مرت بها بسبب الإرهاب الهمجي الذي أوشك أن يقوض أركان مؤسساتها. ومن هنا مازال تعزيز الصرح المؤسساتي والسياسي للبلد على ضوء قوانين مطابقة للتحولات المستقبلية يحظى بنصيب كبير في أجندة برنامج الخمس سنوات المقبلة ،شانه في ذلك شان إعادة تاطير السياسة الاجتماعية التضامنية التي يحرص عليها الرئيس المنتخب الذي يرى أنه من الحتمي الوقوف إلى جانب الفئات الهشة من المجتمع، مع توجيه الجهود نحو حلول ملموسة وعاجلة للانشغالات الاجتماعية للمواطنين. وفي هذا الإطار، تراهن أجندة الرئيس بوتفليقة على القضاء نهائيا على مشكل السكن خلال الخمس سنوات المقبلة من خلال تسريع وتيرة الانجاز للبرامج السكنية والاستجابة لكافة الطلبات وتخصيص برامج خاصة للشباب المتخرج من الجامعات، إضافة إلى القضاء على البطالة باستكمال الإجراءات التحفيزية الخاصة بتشغيل الشباب. وفي الجانب الاقتصادي، نجد أن أبرز تحد يرفعه برنامج المترشح، يتمثل في إعادة تحديد سياق السياسة الطاقوية للوطن من خلال وضع استغلال الطاقات الحفرية في السياق الجديد للطاقات المتجددة مع إيلاء أهمية خاصة لحماية التنوع البيئي، مع تعزيز أسس الاقتصاد الوطني لجعلها في منأى عن الأزمات العالمية التي اتخذت منذ منتصف سنة 2004 شكل أزمات ممنهجة، في وقت يكمن الرهان القادم في ضرورة اقتحام الجزائر لعالم الطاقات النظيفة في سياق التكيف مع التوازنات الطاقوية الكبرى. كما تركز الأجندة القادمة على بدائل لتعزيز الصادرات خارج المحروقات، وذلك بإعادة النظر في الأولويات والورشات الكبرى في قطاعات الطاقة، الموراد المائية، السكن، الصحة، التربية والنقل والتي تتطلب ورشات كبيرة وتلتقي عند أولويات الاستجابة للانشغالات الاجتماعية. وإذ أن التفرغ لانجاز هذه الورشات على أرض الواقع لن يكون إلا بتوفير الأمن والاستقرار، فإن الرئيس المنتخب يضع أولوية الحفاظ على المكاسب المحققة في هذا المجال ضمن أولوية الأولويات، قناعة منه بأن الشعب يرفض المغامرة باستقراره والعودة إلى سنوات الجمر الدامية التي مازالت آلامها محفورة في ذاكرة كل الجزائريين، ومن هنا يمكن القول أن نجاح الرئيس بوتفليقة في استعادة الأمن والسلم في البلاد من خلال قانوني الوئام المدني والمصالحة الوطنية تبقى تحسب له، كما لا يمكن التشكيك في أنها صنعت الفارق بينه وبين المترشحين الآخرين خلال كل الاستشارات الشعبية، في انتظار أن تستكملها إنجازات أخرى في المجالين الاجتماعي والاقتصادي خلال العهدة الجديدة.