بقلم: حسين مجدوبي بدأت سنة 2026 بحدث ضخم وهو اختطاف واعتقال القوات الأمريكية الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو حدث يحمل الكثير من التساؤلات سواء طريقة التنفيذ أو التداعيات المقبلة بشأن القانون الدولي. كانت فنزويلا تدرك جيدا أن عودة ترامب إلى البيت الأبيض ستشكل له فرصة للانتقام من مادورو بعدما فشل في الإطاحة به في ولايته الأولى 2017-2021. ولعل الفشل يعود الى أن ترامب لم يكن جريئا في تطبيق سياسته كما هو الشأن الآن كما أن مادورو كان يحظى بدعم مجموع أمريكا اللاتينية التي كانت تعتبره وقتها الرئيس الشرعي. وتابع العالم مسلسل هذه الأزمة منذ أبريل الماضي عندما صنفت واشنطن رئيس فنزويلا وفريقه كمهربين للمخدرات يجب اعتقالهم بالاستناد إلى قرار البنتاغون نشر أكبر حشد عسكري له في الكاريبي ضمن سياسة الردع والضغط. وانتهت الحلقة الأولى من هذه الأزمة فجر السبت 3 يناير عندما نفذت قوات الدلتا الأمريكية عملية اقتحام واعتقال مادورو وزوجته من غرفة نومهم. هذا الحدث يجر إلى مجموعة من الملاحظات والاستنتاجات يمكن إجمالها في ثلاثة وهي: *الرواية الرسمية *الأول من الصعب جدا تقبل الرواية الرسمية بأن قوات الدلتا نجحت في اختراق وبسهولة الحراسة المشددة على الرئيس مادورو واعتقاله والمفاجأة هي مقتل الحراس الكوبيين. بعيدا عن الأفلام قوات الدلتا تعتبر من النخبة وهي تابعة للقوات البرية الى جانب فريق سيل 6 التابع للبحرية والكوماندوهات الخاصة لقوات المارينز. فقوات الدلتا كما نجحت في عمليات إلا أنها تفشل عندما تواجه عملا عسكريا منظما. فقد فشلت في تحرير الرهائن في إيران ومات ثمانية من أفرادها ولقي 18 منهم حتفهم في الصومال في التسعينيات واعتقلت الرئيس صدام حسين وكان وحيدا وغير مسلح بدعم كوماندوهات أخرى تابعة للفرقة الرابعة ولم تنجح في تحرير ولو رهينة في حرب قطاع غزة. ونجحت ضد تنظيمات إرهابية أو إجرامية وخسرت بعض عناصرها في العمليات ويبدو أنها هذه المرة امتلكت العصا السحرية في حالة الجيش الفنزويلي. وعليه كيف يتجاوز أفراد الدلتا خمسة أحزمة من التي تحمي مادورو الذي يعيش في قصر رئاسي شبيه بثكنة عسكرية على طراز القرون الوسطى من حيث الحماية ولم يمت ولو فرد من قواتها؟ لنترك جانبا الهجوم السيبراني وقطع الكهرباء لأن الجيش الفنزويلي والحراسة الشخصية لهم أنظمة تشويش واتصال صينية وروسية متطورة جدا. عملية الاعتقال يبدو أنها نتاج اتفاق مسبق بين قيادة الجيش وواشنطن واختارت جريدة الباييس عنوانا لمقال لها حول دور الجيش الفنزويلي يوم الأحد هو: العسكر الفنزويلي مصدر قوة السلطة التشافيزية الذي لم يوقف اعتقال مادورو . كما أن جريدة أنفو ليبري الإسبانية طرحت الأسئلة التالية: كيف تمكن عناصر الدلتا من الوصول إلى القصر الرئاسي؟ كيف تم منع الزوجين الرئاسيين من الوصول إلى منطقة الأمان؟ كيف تمكنوا من تحييد جميع حراس الرئيس الفنزويلي؟ هذه أسئلة لم تتم الإجابة عليها بعد . لو كان الجيش يريد حماية مادورو لما تم القبض عليه على الأقل حيا ولكانت قد وقعت مواجهات عنيفة لاسيما وأن الجيش الفنزويلي يتوفر على ترسانة عسكرية حقيقية من طائرات مسيرة وصواريخ وكوماندوهات للمواجهة. كيف لجيش أيديولوجي يساري مثل الفنزويلي لم يطلق ولو رصاصة واحدة بعد اعتقال قائده العام؟ كيف لجيش نظم تظاهرات ضد واشنطن مئات المرات واعتقل المنادين بالديمقراطية لم يحرك ولو طائرة درون واحدة؟ الراجح وهو ما سيكشفه المستقبل خاصة عندما سيتم رفع السرية عن الوثائق الخاصة بهذه العملية أن القيادة السياسية والعسكرية والاستخباراتية الفنزويلية أبرمت اتفاقا مع البيت الأبيض للتضحية بمادورو مقابل امتيازات لواشنطن وانتقال ديمقراطي على المقاس ودون ملاحقة باقي المسؤولين وتفادي الطرفين حربا ستكون كارثية على شاكلة العراق. وبدأت أخبار تروج حول دور الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز في عقد صفقة مع واشنطن على حساب الرئيس مادورو. الرئيسة المؤقتة من مهندسي سياسة مواجهة واشنطن طيلة عقدين وها هي بين ليلة وضحاها تدعو إلى التعاون مع واشنطن! ويكفي أن السلطات الفنزويلية لم تدع لتظاهرات منددة باستثناء تظاهرة للمئات نظمها موالون لمادورو من الشعب دون دعم السلطات. وكان التصريح الوحيد لابن الرئيس مادورو هو أن التاريخ سيكشف من كانوا خونة وكأنه ينقل الخيانة التي كان يتوجس منها أبوه الذي يوجد الآن في سجن في نيويورك. *مبررات الواجهة *ثانيا يبقى مبرر اعتقال مادورو بسبب المخدرات ضمن مبررات الواجهة فقط ويكفي أن ترامب أصدر مؤخرا عفوا عن رئيس الهندوراس السابق خوان هيرنانديث المتورط في المخدرات. ومنذ اندلاع الأزمة الفنزويلية تبين أن السبب الحقيقي جيوسياسي محض يتجلى في عزم إدارة البيت الأبيض الحالية تنفيذ ولو على حساب القانون الدولي ما توصي به مختلف وثائق الأمن القومي سواء مع رؤساء ديمقراطيين أو جمهوريين وهو استعادة أمريكا اللاتينية إلى حظيرة مصالح واشنطن قبل فقدانها لصالح روسياوالصين. وتبقى فنزويلا محورية لأنها صاحبة أكبر احتياطي نفطي في العالم وهي الدولة التي تمول عددا من الأنظمة والحركات اليسارية في القارة الأمريكية. وما أقدمت عليه إدارة ترامب في فنزويلا هو ما فعلته إدارة فلاديمير بوتين الروسية ضد أوكرانيا أي أنه فرض القوة بشأن المصالح الجيوسياسية الحيوية. وعلى شاكلة موسكووواشنطن قد تطبق بكين السيناريو نفسه في ضغطها على تايوان لتضمها إلى الصين مستقبلا. *ثالثا لا يمكن لتعاطف مادورو مع القضية الفلسطينية أن يخفي عنا بعض السلبيات التي ورط فيها البلاد. وعليه لم يكن مادورو بالذكاء السياسي الكافي لكي ينسحب في الوقت المناسب لقد كان مؤسس الحركة البوليفارية هوغو تشافيز محبوبا من طرف غالبية الفنزويليين وفاز بكل الانتخابات التي خاضها بشهادة المنظمات والمراقبين الدوليين. وعندما تعرض سنة 2002 لانقلاب في ولايته الأولى خرج ضباط الجيش وشرائح كبيرة من الشعب للدفاع عنه وإعادته للرئاسة. ولم يحدث هذا الآن لأن الجيش اعتبر مادورو خلال الثلاث سنوات الأخيرة عبئا على البلاد. ولم ينجح مادورو في اكتساب شعبية وعاش على إرث سلفه ويكفي أن أكثر من سبعة ملايين فنزويلي غادروا البلاد خلال 12 سنة الأخيرة لأسباب اقتصادية منها الحصار الغربي وانعدام حرية التعبير وهيمنة الملاحقة السياسية. في الوقت ذاته بعد تزويره الانتخابات الرئاسية في يوليو 2024 رفض رؤساء يساريون في أمريكا اللاتينية يتمتعون بمصداقية كبيرة مثل الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا ورئيس التشيلي غابرييل بوريك حتى رئيس كولومبيا غوستافو بيترو أحد المعجبين بتشافيز وكاسترو الاعتراف بمادورو رئيسا شرعيا. وهؤلاء مناهضون لسياسة واشنطن ولهم مواقف مشرفة جدا تجاه القضية الفلسطينية. ما قامت به واشنطن من عمل عسكري يعد خرقا للقانون الدولي لكن سيتبين مع مرور الوقت أنه عمل كان معدا سلفا مع مساعدي مادورو الذي كان عليه الانسحاب من الانتخابات الرئاسية الأخيرة في جويلية2024.