يقول ابن عطاء الله السكندري:”لا تدهشنك واردات النعم عن القيام بحقوق شكرك فإن ذلك مما يحط من وجود قدرك”. كثيراً ما يخطر في بال العبد أن معنى الشكر الذي أوجبه الله على عباده، أن يقدّموا إلى الله من جلائل الطاعات وعظيم القربات، ما يكافئ نعمه التي يتفضل بها عليهم، ولكنه ينظر، فيجد أنهم أضعف من أن يقدموا إلى الله شيئاً يقع أي موقع من الشكر على نعمه، قلَّت أو كثرت صغرت أو عظمت، لأن الطاعة التي يتقرب بها العبد إلى الله، ليشكره بها، إنما هي من فضل الله عليه، فهو الذي أقدره عليها ووفقه إليها، وشرح صدره لها، فهي إذن نعمة من نعم الله عليه تحتاج بدورها إلى شكر الله عليها، ومهما حاول أن يشكر الله على تلك النعمة، فلن يتمكن من ذلك إلا بفضل ومعونة من الله له، فيغدوا الشكر بحاجة بدوره إلى الشكر، وهكذا.. ونتيجة ذلك أن شكر العبد لربه بمعنى الحقيقي للشكر، أمر مستحيل لا يتأتى تحقيقه. وإذا أردنا بالشكر في هذا المقام، المعنى الذي نقصده من شكر الإنسان صاحبه على المعروف الذي أسداه إليه، تنفيذا لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم: ”من أسدى إليكم معروفاً فكافئوه”فهو أمر مستحيل عقلاً لما قد بينته لك. غير أن المراد بشكر العبد ربه، على نعمه التي يسديها إليه، شيء آخر، يختلف عن معنى شكر الناس بعضهم لبعض. وخير تعبير عنه، تقريب للأفهام أن نقول: إنه عدم الطغيان بالنعمة، وقد عبر عنه البيان الإلهي عن الشكر بهذا المعنى، وذلك في قوله حكاية لنا عما خاطب به بني إسرائيل:”كُلُوا مِنْ طَيِّبات ما رَزَقْناكُمْ ولا تطغَواْ فِيه فيحلَّ عليكُمْ غَضَبِي”(طه). وإذا كان الطغيان-وقد عرفت معناه-مما يمكن للإنسان أن يتلبس به، وأن يصدر منه، فنقيضه إذن مما يمكن للإنسان أيضاً أن يتلبس به ويصدر منه، وهو المراد هنا بالشكر، إذ أن المراد بشكر الله أن لا يطغى العبد بنعمه. فإذا تلقى العبد من ربه النعمة، عالماً بأنها صادرة إليه من لدنه، ولم يُزْهَ ولم يستكبر بها، ولم يستخدمها فيما يسخط الله عز وجل، بل استعملها فيما يرضيه، فقد شكر بذلك الله على تلك النعمة. وكلما أوغل العبد بنفسه في مجال الاعتراف بعجزه عن أداء حقوق الله وعن شكره عليها، ازداد بذلك بعداً عن الطغيان وأسبابه، ومن ثم فإنه يزداد بذلك شكرًا لله عز وجل. كأن يذعن بقلبه ويعترف بلسانه أنه عجز من أن يؤدي جزءاً من حق الله عليه، وأنه مهما جند أعضاءه للطاعات والقربات، ومهما سخر النعم التي أسداها الله إليه لم يرضيه، فلسوف يظل عاجزاً عن شكره بعيداً عن التمكن من أداء أي جزء من حقوقه. إنه بهذا الذي يتخذه يصطبغ بكامل معنى العبودية لله، وهي نقيض الطغيان الذي يحذر الله منه، ونقيض الطغيان هو الشكر الذي يطلبه الله منك ولا يطلب منك مزيداً عليه.. لكن كيف يأمر الله بما لا قِبل به ولا قدرة عليه؟ يقول ابن عطاء الله، محذراً من الوقوع في أسر هذه الدهشة: لا تحطّ من قدرك، وقد سما الله بك إلى مقام التكريم والتمكين، مستسلماً للدهشة من أن تقف موقف الشاكر لله عل نعمه التي أغدقها عليك، صحيح أنك لا تملك أن تنفي حق أصغر نعمة أسداها الله إليك، لأنك، بكل ما يمكن أن تقدر عليه وتوفق إليه، ملكه.ولكن ألا تعلم أن الله جعل اعترافك بهذا العجز وإعلانك عنه، أغلى من كثير من النعم التي تفضل بها عليك؟..ألا تعلم أن الله جعل حمد الحامدين له أفضل من النعمة التي يحمدونه عليها؟.. إذن ففيم الدهشة، وقد علمت أن الله جعل عجزك عن الشكر شكراً له، بل جعل اعترافك بهذا العجز أجلَّ عنده من النعم التي تفضل بها عليك، وقد روى مسلم في صحيحه من حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ”إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها”فقد جعل الله حمد الأكل والشارب أجلَّ من نعمة الأكلة أو الشربة التي أسداها إليه، إذ كان حمده له سبب رضاه عنه، وهيهات أن تبلغ نعمة الأكل والشراب درجة التسبب لذلك. وقد روي عن سهل بن عبد الله رضي الله قوله: ”ما من نعمة إلا والحمد أفضل منها، والنعمة التي ألهم بها الحمد أفضل من الأولى لأن الشكر يستوجب المزيد” وكان عمر بن عبد العزيز يقول: ”لم ينعم على عبد نعمة، فيحمده عليها إلا كان حمده أفضل من نعمته” والقدر الذي رفع الله الإنسان إليه، فيما يقصد إليه ابن عطاء الله، انه جلَّ جلاله جعل من ثناء العبد بصدق على ربه، شيئاً أغلى من النعمة التي أسداها إليه، وجعل من اعترافه بعجزه عن أداء حقوق الله عليه، القيمة الكاملة التي تفي بتلك الحقوق كلها. هو مظهر إكرام إذن من الله للإنسان، وعنوان ناطق بالمرتبة العالية التي رفعه إليها، وهل من مظاهر الإكرام ما هو أسمى وأجلّ من أن يجعل الله حمدك له أثمن من نعمته التي أسداها إليك؟!.. فسبحان من يعطيك تفضلاً منه ومناً، ثم يقبل منك هذا الذي أعطاك إياه، سدادًا لقيمة النعم التي تفضل بها عليك!.. المرحوم الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي