عهد جديد من الحوكمة وتغييرات جوهرية شاملة التأسيس لنسيج صناعي قوي وتقوية الإنتاج الوطني تحقيقا للاكتفاء الذاتي في مثل هذا اليوم، قبل ثلاث سنوات، أدى رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون اليمين الدستورية التي رسمت بتوليه قيادة البلاد، عهدا جديداً من الحوكمة القائمة على تحدي النهوض بالاقتصاد الوطني بمختلف قطاعاته وأركانه.. تحدّ وضعه الرئيس نصب عينه، وأعد لذلك جملة من الإصلاحات المؤسساتية، القانونية والاقتصادية. بوادر الإصلاحات الجوهرية التي أطلقها رئيس الجمهورية منذ الأيام الأولى لتوليه رئاسة البلاد، ظهرت جلياً في المؤشرات العامة للاقتصاد الوطني الذي بات يحقّق مكاسب عالية بوتيرة تصاعدية إيجابية، ولعل توقعات نسب النمو التي جاءت في نص قانون المالية لسنة 2023 خير دليل، بحيث يتوقع تسجيل نسبة نمو اقتصادي ب4.1 في المائة في 2023، و4.4 في المائة في سنة 2024، ثم 4.6 بالمائة خلال سنة 2025، وينتظر أن يسجّل قطاع الفلاحة نموا ب 6،9 في المائة في سنة 2023، أما قطاع الصناعة فيُتوقع أن ينمو بنسبة 8،5 بالمائة، فيما يرتقب أن يحقق قطاع البناء والأشغال العمومية نموا ب5.6 بالمئة. ويعوّل على الإصلاحات التي جاء بها قانون الاستثمار الذي أولاه الرئيس أهمية قصوى في تحقيق هذه النسب، وجاء بقائمة طويلة من التحفيزات والامتيازات والضمانات التي يمكن أن يستفيد منها أي مستثمر، وطنيا كان أو أجنبيا، وهذا تكريسا لمبدأ المساواة وحرية العمل، لكن شريطة الوفاء بمجموعة من الالتزامات الاستثمارية الضامنة لمصالح الدولة ولجدية العملية الاستثمارية، وقد وضع القانون جهة واحدة للتعامل مع المستثمر تتمثل في الشبابيك الوحيدة التي تضمّ ممثلين عن مختلف الهيئات المعنية، مع تحديد آجال لمعالجة ملفات المستثمرين تكون ملزمة للإدارات المعنية، كما يضمن قانون الاستثمار الجديد للمستثمر حق اللجوء إلى اللجنة العليا الوطنية للطعون المختصة في مجال الاستثمار، المنصبّة على مستوى رئاسة الجمهورية والمتكوّنة من قضاة وخبراء مختصين في الاقتصاد والمالية، علاوة على هذا نص القانون صراحة على عقوبات تطبق في حق كل من يقوم بسوء نية بعرقلة الاستثمار بأية وسيلة كانت، تماما كما جاء في مادته ال37. ومن الآليات الإصلاحية التي جاء بها القانون، توفير المعلومات المتعلقة بعرض العقار من حيث منح الأراضي التابعة للأملاك الخاصة للدولة وتوفرها، ما سيضفي الشفافية على هذه العملية. بالمقابل، يفرض قانون الاستثمار، برؤيته الإصلاحية الجديدة، على المستثمر الالتزام بالسهر على احترام التشريع المعمول به والمعايير لاسيما منها تلك المتعلقة بحماية البيئة، والصحة العمومية، والمنافسة، والعمل، وشفافية المعلومات المحاسبية والجبائية والمالية. وحماية لمصالح الدولة، عمل قانون الاستثمار على تسقيف فترة مرحلة إنجاز المشاريع من 3 سنوات إلى 5 سنوات بالنسبة للاستثمارات المدرجة ضمن نظام المناطق ونظام الاستثمارات المهيكلة، وهذا من أجل دفع المستثمر لتسريع أشغال الإنجاز والدخول في الاستغلال في أقصر الآجال إضافة إلى حصر تمديد فترة الاستفادة من مزايا الإنجاز لمدة 12 شهرا بهدف تفادي إعادة التقييم المالي للمشاريع الاستثمارية. ومن التدابير المقترحة لدعم الاستثمار، ومواصلة الإصلاح الجبائي، في إطار مقاربة جديدة يعمل الرئيس على تجسيدها، هي فتح فروع لبنوك جزائرية في الخارج لدعم الاستثمار، مثل إنشاء بنك الجزائر الخارجي الدولي في فرنسا مع الانتشار التدريجي في المدن التي تمتاز بكثافة مرتفعة للجالية، علاوة على إنشاء بنكين في إفريقيا، بنك في السنغال وبنك في موريتانيا، ناهيك عن استعداد أربعة بنوك عمومية البنك الوطني الجزائري، القرض الشعبي الجزائري، بنك الجزائر الخارجي، بنك الفلاحة والتنمية الريفية لفتح فروعها بهذه الدول. ولعلّ أهم المشاريع التي ترجمت من خلالها إرادة الرئيس تبون في تطوير مناخ داعم للأعمال، هي الاتفاقية الإطار الموقعة بين وزارة الصناعة وشركة «فيات» للسيارات، والتي من شأنها التأسيس لشراكة حقيقية تستجيب للأهداف التي تتوخاها الدولة من خلال إرساء عمليات تصنيع حقيقية للسيارات في الجزائر، خصوصا وأن الشريك الإيطالي «ستيلانتيس» يعد من بين أكبر مصنعي المركبات في العالم، وأحسنهم من ناحية التخطيط الاستراتيجي والصناعي، ولعل النتائج التي حققها خلال سنة 2021 تثبت ذلك، بعد إطلاق استثمارات كبيرة في مجال التكنولوجية الطاقوية للسيارات ومكونات سلاسل القيمة. وينتظر أن يؤسس المشروع لقواعد نسيج صناعي على الأمدين المتوسط والبعيد بإمكانها أن تصبح مصدرا لقطاع مناولة تنافسي في قطاعات البتروكيمياء، الحديد والبلاستيك وغيرها، كما أن قيام مجمع « ستيلانتيس»، بالإمضاء على الاتفاقية الإطار لإنشاء مصنع لسيارات «فيات» المعروفة في السوق الجزائرية، تعتبر خطوة مهمة لإعلان بداية النهوض الاقتصادي الجزائري، وستساهم هذه الخطوة أيضا في ظهور منافسة بين مختلف العلامات العالمية المعروفة في السوق الجزائرية، وخاصة بعد قانون الاستثمار الجديد الذي يمنح حرية وأريحية كبيرة للمستثمر الأجنبي في النشاط. قطاع المناجم.. الارتقاء.. تنشيطا لقطاع المناجم، فتح رئيس الجمهورية المجال المنجمي للاستثمارات، وهذا بعد إعادة النظر في بعض بنود القانون المنجمي لجعله أكثر جاذبية واستقطاباً للاستثمارات الوطنية والأجنبية، زيادة على مراجعة نشاط المناجم المستغلة، بحيث تستغل الجزائر في الوقت الراهن بعضاً من ثرواتها المنجمية، لكن من دون تحقيق نجاعة اقتصادية كبيرة، وهو ما استدعى إعادة تقييم لهذه النشاطات، إضافة إلى ضرورة توسيعها وتكثيف إنتاجها. ولعلّ من بين الخطوات الهامة في قطاع المناجم والتي اتخذت في عهد الرئيس تبون، هي تحيين الخرائط المنجمية، وتهدف هذه العملية التي تقوم بها وكالة المصلحة الجيولوجية للجزائر إلى توفير البيانات والمعلومات المدققة التي يحتاجها المستثمرون في القطاع عند دراسة وتقييم جدوى مشاريعهم، بحيث تمكنهم الخرائط المدروسة والمحيّنة من الاطلاع على ما تحتويه كل منطقة استثمار محتملة من مواد معدنية، فتوفُر المعطيات الجيولوجية الموثوقة يُسهم في تحفيزهم على إقامة مشاريع تقل فيها نسبة المجازفة، وتتم هذه العملية بالتنسيق والتعاون مع وزارة الدفاع الوطني، والتي تعمل على تمكين الوكالة من استعمال تقنيات جديدة في تحيين الخرائط المنجمية، تعتمد على المسح الجيوفيزيائي الجوي، وتتطلّب هذه التقنية طائرات ومعدات خاصة تسمح بإجراء مسح إشعاعي للمساحات المنجمية، لتوفير خرائط وبيانات عالية الجودة تُوضح معالم المجال المنجمي الجزائري بدقة. إلى جانب هذا، حرص رئيس الجمهورية على إطلاق العديد من المشاريع المنجمية التي من شأنها تقديم قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني، أولها الاستغلال المنجمي للذهب في الجنوب الكبير من طرف شباب المنطقة، وقد استحدثت لهذا الغرض أزيد من عشرات المؤسسات المصغرة، تتوزعُ على مساحات مخصصة للاستغلال الحرفي للذهب بين ولايتي تمنراست وإيليزي، وبإمكان هذه المؤسسات استغلال المساحات الخاصة بها في التنقيب واستغلال الذهب بعد تأمين كامل لكل هذه العمليات، ويسمح دفتر الشروط الخاص بعمليات التنقيب والاستغلال بالحفر والتنقيب حتى عمق 5 أمتار، ويَمنعُ بالموازاة استعمال أي مواد كيماوية بعد عملية الاستخراج. تحول الأحجار التي تحتوي على الذهب بعد استخراجها إلى مصارف الذهب في ولايتي تمنراست وإليزي أو إلى معمل «أمسميسا» التابع للشركة الوطنية للذهب بولاية تمنراست (إينور)، الذي يتولى عملية تكسيرها وفصل الذهب عن الشوائب العالقة بها في مخابر خاصة لمعرفة قيمة الذهب المتواجدة بها. تُعوض هذه القيمة فيما بعد بمبالغ مالية تُدفعُ من طرف الشركة الوطنية للذهب للمؤسسات المصغرة المنقبة. ويُتوقع، أن ترتفع القدرات الإنتاجية إلى 250 كلغ بعدما لم يتجاوز 58 كلغ من الذهب في 2020، غير أن الهدف الرئيسي هو الارتقاء بالإنتاج إلى مستوى 500 كلغ سنويا. علاوة على هذا، شدّد الرئيس تبون خلال السنوات الثلاث الماضية على ضرورة الإسراع في إطلاق ثلاثة مشاريع هيكلية كبرى لتكون المحرك الأساسي لقطاع المناجم، وهي مشروع استغلال حديد منجم غار جبيلات الواقع بولاية تندوف، ومشروع استغلال حقول الفوسفات في ولايات تبسة، سوق أهراسوعنابة، زيادة على مشروع استغلال الرصاص والزنك في وادي أميزور بولاية بجاية. بالنسبة لمنجم غار جبيلات، فقد شُرع في الاستغلال الفعلي لمكمنه بعد أزيد من 70 سنة عن اكتشافه بولاية تندوف سنة 1952، وتكشف الدراسات الأولية عن تربّعه على حوالي 3.5 مليار طن من الحديد، ما يجعله ثالث أكبر منجم للحديد في العالم، بعائدات تقدر ب16 مليار دولار سنويا، وينقسم المنجم الواقع بولاية تندوف إلى ثلاث مناطق منجمية، الأولى هي «غار جبيلات شرق» والتي تمتد على مساحة تقدر ب7000 هكتار، وغار «جبيلات وسط» والممتدة على مساحة 18 ألف هكتار، وهي أكبر أجزاء المنجم، ثم «غار جبيلات غرب» على مساحة 15 ألف هكتار، وهو الجزء الذي أجريت عليه الدراسات الخاصة بعملية الاستغلال، إضافة إلى هذه المواقع المنجمية الثلاث، تضم ولاية تندوف منجما آخر هو منجم مشري عبد العزيز، الذي يبعد نحو 250 كلم عن غار جبيلات. إلى جانب مخطط حديد منجم غار جبيلات الاستثماري، يحظى مشروع استغلال حقول الفوسفات الواقعة بولايات عنابة، سوق اهراسوتبسة هو الآخر بأهمية بالغة، نظراً لحجم المخزونات الهائلة التي تحتوي عليها هذه الحقول والمقدرة ب6 ملايير طن من مادة الفوسفات، ويجري حاليا إعداد الدراسات ذات الصلة بعد إنشاء الشركة المسماة «الشركة الجزائرية الصينية للأسمدة « في مارس 2022، والتي ستتكفل بمهمة التخطيط وإنجاز الدراسات المتعلقة بالمشروع، الذي من المقرر أن ينتج 3 ملايين طن في السنة، حيث تقدّر الاستثمارات بمبلغ 4 ملايير دولار أمريكي، ومن المتوقع حسب التقديرات أن ينشأ 9000 منصب شغل مباشر. على غرار الحديد والفوسفات، يعول قطاع المناجم في مخطط إنعاشه على استغلال منجم الزنك والرصاص الواقع في وادي أميزور بولاية بجاية، غير أن هذا المشروع الهام، سيكون صعب التجسيد مقارنة مع مشروعي استغلال الحديد وحقول الفوسفات، نظرا ًلعوامل تقنية تعود أساساً لتواجد مكمن المنجم في باطن الأرض، ما يستدعي توفر وسائل تكنولوجية خاصة لاستغلاله، وتفوق مخزونات منجم واد أميزور من مادتي الزنك والرصاص 60 مليون طن، وهو أكبر مخزون في منطقة البحر الأبيض المتوسط