هذه الوظيفة المعينة الّتي تربط الجن والإنس بناموس الوجود هي العبادة لله، أو هي العبودية لله، أن يكون هنا عبد وربّ، عبد يعبد وربّ يُعبد، ولا ينحني ظهر لسواه، وأن تستقيم حياة العبد كلّها على أساس هذا الاعتبار.. ومن ثمّ يتبيّن أن مدلول هذه العبادة أوسع وأشمل من مجرد إقامة الشّعائر، فالجن والإنس لا يقضون حياتهم في إقامة الشّعائر، والله لا يكلّفهم هذا وهو يكلّفهم ألوانًا أخرى من النشاط، تستغرق معظم حياتهم. وقد لا نعرف نحن ألوان النشاط الّتي يكلّفها الجن، ولكنّنا نعرف حدود النشاط المطلوب من الإنسان، نعرفها من القرآن من قول الله تعالى: {وإذْ قال ربُّك للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة} البقرة .69 فهي الخلافة في الأرض إذن، عمل هذا الكائن الإنساني، وهي تقتضي ألوانًا من النشاط الحيوي في عمارة الأرض، والتعرّف إلى قواها وطاقاتها وذخائرها ومكنوناتها، وتحقّق إرادة الله في استخدامها وتنميتها وترقية الحياة فيها. كما تقتضي الخلافة القيام على شريعة الله في الأرض، لتحقيق المنهج الإلهي الّذي يتناسق مع الناموس الكوني العام. ومن ثمّ، يتجلّى أنّ حقيقة العبادة الّتي يعلّمها الصّيام لأهله تتمثّل في أمرين رئيسيين: الأوّل: استقرار معنى العبودية لله في النّفس، ليس في هذا الوجود إلاّ عابد ومعبود وربّ واحد، والكلّ له عبيد. والثاني: التوجّه إلى الله بكلّ حركة في الضّمير، وكلّ حركة في الجوارح، وكلّ حركة في الحياة، التوجّه بها إلى الله خالصة، والتجرّد من كلّ شعور آخر ومن كلّ معنى غير معنى التعبُّد لله جلّ علاه.