يعد جامع "بن حليمة"، بحي القرابة الشعبي في مدينة غليزان، واحدا من المعالم الدينية والثقافية، التي ارتبطت بتاريخ التعليم العربي الحر، خلال فترة الاحتلال الفرنسي، حيث شكل فضاء للعبادة، ومركزاً لنشر العلم وتحفيظ القرآن الكريم، في زمن كانت الهوية الثقافية والدينية للجزائريين، تواجه محاولات الطمس والتهميش. وتعود قصة هذا الجامع، إلى الشيخ منور بن حليمة، أحد أبناء منطقة الزهايرية، التابعة لعرش أولاد سيدي لزرق بمنطقة منداس، والذي وُلد سنة 1887. نشأ الشيخ في بيئة ريفية محافظة، وتلقى تعليمه الأول في مسقط رأسه، قبل أن يتوجه إلى مدينة مازونة لمواصلة طلب العلم، وهي من المدن التي عُرفت تاريخيا بدورها العلمي والديني في غرب الجزائر. وفي ثلاثينيات القرن الماضي، انتقل الشيخ منور بن حليمة إلى مدينة غليزان، حيث بدأ حياته المهنية في مجال التجارة، إذ اشتغل في محل قويدر بن اسماعين. غير أن ميوله العلمية والدينية، سرعان ما دفعته إلى ترك التجارة والتفرغ لنشر العلم وخدمة الدين. وبعد سنوات من الاستقرار بالمدينة، اشترى مسكناً سنة 1938، قبل أن يحوله لاحقاً إلى فضاء للعبادة والتعليم. وفي سنة 1943، أسس الشيخ منور بن حليمة هذا الجامع الذي خصصه لإقامة الصلوات الخمس وتعليم القرآن الكريم، ليصبح مع مرور الوقت مركزاً لتعليم اللغة العربية والعلوم الدينية، ومقصداً للطلبة الراغبين في حفظ كتاب الله، وتلقي مبادئ العلوم الشرعية، في فترة كانت المدارس العربية الحرة تلعب دورا أساسيا في الحفاظ على الهوية الوطنية. وقد تتلمذ على يد الشيخ عدد من الطلبة، من بينهم الحاج الحبيب، إضافة إلى الأستاذ أحمد الشيخ ولد بلقندوز، الذي أصبح لاحقاً من الإطارات التربوية، قبل أن يتقاعد. وظل الشيخ منور بن حليمة يشرف بنفسه على مهمة التعليم والتأطير إلى غاية سنة 1948، وهي السنة التي أدى فيها فريضة الحج رفقة الشهيد عابد السوسي. وبعد عودته، واصل نشاطه العلمي والديني، قبل أن يخلفه في مهمة التدريس حفيده ابن الشيخ امحمد، الذي واصل العمل في الجامع إلى غاية سنة 1961. كما تعاقب على التدريس في هذا المعلم الديني عدد من المشايخ، من بينهم الشيخ بلجيلالي محمد سي محمد براشد والشيخ مقدم الزرقاوي، ما يعكس المكانة التي كان يحتلها هذا الجامع في الحركة التعليمية والدينية بمدينة غليزان. وفي أفريل سنة 1961، توفي الشيخ منور بن حليمة بمدينة غليزان بعد مسيرة حافلة بالعطاء في خدمة الدين والعلم، تاركاً وراءه إرثاً تعليمياً وروحياً ظل حاضرا في ذاكرة سكان الحي وأبناء المنطقة.