أحيا العالم مؤخرا، اليوم الدولي للسعادة، الموافق ل20 مارس من كل سنة، وهو موعد سنوي يذكر بأهمية الشعور بالرضا والطمأنينة في حياة الإنسان، وأهمية هذا التاريخ تتجلى في العلاقة الوطيدة بين السعادة والصحة النفسية، إذ يربط المختصون في علم النفس بين السعادة والصحة النفسية ارتباطا وثيقا، لما لها من أثر كبير على توازن الفرد وقدرته على التكيف مع ضغوط الحياة، وفي خضم هذا الحديث العالمي عن السعادة، يبرز تساؤل مهم في المجتمع الجزائري حول ثقافة الشكوى المنتشرة بين الناس، التي تحولت مع الزمن إلى أسلوب كلام، وخطاب يومي، فهل هي حقيقة تحولت إلى ثقافة سائدة، أم هي مجرد وسيلة للتنفيس، أو أنها عامل خفي يحد من شعورهم الحقيقي بالسعادة؟. =في الشارع، في العمل، وحتى داخل البيوت، لا يكاد يخلو حديث من شكوى من غلاء المعيشة، إلى ضغوط الحياة اليومية، ومن الانتقادات المستمرة للواقع إلى المقارنات التي لا تنتهي، تبدو الشكوى وكأنها لغة مشتركة بين كثير من الجزائريين، لكنها في الوقت نفسه، قد تتحول من وسيلة للتعبير إلى عادة ذهنية تكرس النظرة السلبية للحياة، وتجعل الفرح يبدو أمرا بعيدا أو مؤقتا، أو حتى لا يكتمل لدى البعض. ربط السعادة بالصحة النفسية يفتح الباب لفهم أعمق لهذه الظاهرة، إذ يؤكد المختصون أن طريقة تفكير الإنسان ونظرته للأحداث، تلعب دورا أساسيا في مستوى رضاه، وهنا تطرح ثقافة الشكوى كعامل قد يعزز التوتر الداخلي، ويغذي مشاعر الإحباط، خاصة عندما تتحول إلى أسلوب دائم في تفسير الواقع وطريقة في التحاور، من خلال استعمال مختلف أساليب الشكوى والتذمر. وفي هذا السياق، يرى محمد تيجاني، مختص نفساني، أن الشكوى في حد ذاتها، ليست سلوكا سلبيا دائما، بل قد تكون في بعض الأحيان، وسيلة صحية للتفريغ الانفعالي، خاصة عندما يمر الإنسان بظروف صعبة، كما أنها وسيلة لتخفيف ضغط داخلي والكشف عن مشاعر حبيسة، قد تتحول إلى مشكل صحي إذا لم يتم كشفها، لكن شدد على أن الأمر قد ينقلب أيضا إلى عكسه، إذا ما تكرر وأصبح عادة في الحديث، إذ يحذر المختص من تحولها إلى نمط دائم، حيث يقول بأن "تكرار الشكوى يعيد برمجة الدماغ على التركيز على الجوانب السلبية فقط، مما يؤدي تدريجيا إلى انخفاض الشعور بالسعادة، وزيادة القلق والتوتر"، كما يشير إلى أن الشخص الذي يشتكي باستمرار، قد يجد نفسه محاطا بأشخاص يشاركونه نفس النظرة، مما يخلق بيئة نفسية مغلقة، تعزز التشاؤم ويدفع عنه الأشخاص الإيجابيين الذين لا يطيقون طاقته السلبية، بالتالي يجد نفسه وحيدا يعيش عزلة اجتماعية. ويضيف المختص، أن "الحل لا يكمن في منع الشكوى تماما، بل في تحقيق توازن، من خلال التعبير عن المشاعر، ثم الانتقال إلى التفكير في الحلول، مع محاولة تدريب النفس على ملاحظة الأمور الإيجابية مهما كانت بسيطة، لأن الدماغ يمكن أن يتعلم أيضا التفاؤل كما يتعلم التشاؤم". من جهة أخرى، يقدم خبير في علم الاجتماع حسان رقيق، قراءة، حيث يرى أن ثقافة الشكوى في المجتمع الجزائري ليست مجرد مسألة فردية، بل هي نتاج عوامل اجتماعية واقتصادية وتاريخية، إذ اعتاد الناس عبر سنوات طويلة، على مواجهة صعوبات مختلفة، مما جعل الشكوى جزء من الخطاب اليومي، ووسيلة للتضامن غير المباشر بين الأفراد، فحين يشتكي شخص، يجد من يشاركه نفس المعاناة، وهذا يخلق نوعا من التقارب الاجتماعي، خصوصا وسط بيئة قد تعاني وتتشارك نفس المشاكل أو الأزمات. لكنه يؤكد في الوقت نفسه، أن استمرار هذه الثقافة دون وعي، قد يساهم في تكريس الشعور بالعجز، ويضعف روح المبادرة، حيث يتحول الحديث عن المشاكل إلى روتين طبيعي، بدل أن يكون خطوة نحو التغيير، ويضيف أن المجتمعات التي تركز بشكل مفرط على السلبيات، تجد صعوبة في بناء صورة إيجابية عن نفسها، وهو ما ينعكس على الأفراد ومستوى سعادتهم. وأوضح أن ثقافة الشكوى عند الجزائريين، تقف في منطقة رمادية، فهي من جهة، تعبير صادق عن واقع مليء بالتحديات، ومن جهة أخرى، قد تتحول إلى عائق نفسي واجتماعي، أمام الشعور بالسعادة، وشدد على أن السعادة المجتمعية هي إحدى المعايير التي تقاس بها رفاهية المجتمع، بالتالي تطور البلد، وعليه تعد من العوامل الأساسية التي لابد من دراستها، والعمل والبحث عن سبل تحقيقها داخل المجتمع.