شرع بعض الأولياء مع اقتراب العطلة الصيفية، في التفكير في مصير أبنائهم خاصة أن وقت الفراغ سيكون كبيرًا؛ ما يفتح المجال واسعًا أمام التكنولوجيا وما قد تطرحه من مخاطر، وهو ما دفع القائمين على دُور الشباب إلى لفت الانتباه إلى ضرورة البحث عمّا يتمتع به الأبناء من مواهب، والعمل على إنعاشها، ومرافقتها، لا سيما أن هذه المرافق طوّرت من برامجها، وأصبحت تواكب بدورها، التطورات التكنولوجية الحاصلة. وأمام سيطرة التكنولوجيا على اهتمامات الأطفال يُطرح تساؤل: هل من الأطفال من يسعى إلى الاهتمام بموهبته، وتطويرها؟ وقفت "المساء" على هامش زيارة إلى دار الشباب الشهيدة ديلمي فاطمة بالعفرون ولاية البليدة، تزامنا وإحياء يوم العلم، على التواجد الكبير لعدد من الأطفال الموهوبين، الذين اختاروا الالتحاق بهذا الفضاء الشباني لرعاية مواهبهم، خاصة بعد أن طوّرت هذه المرافق برامجها، وأنشأت نوادي تستجيب لاحتياجات المنخرطين، لا سيما في المجال التكنولوجي. ومن بين المواهب الشابة التي استوقفت "المساء" الطفل سامي عوماري المتمدرس في السنة الرابعة متوسط، والذي تحوّل من مجرد هاوٍ يبحث عن مرافقة، إلى مؤطر يشرف على تأطير زملائه، قال في حديثه إنه منشدٌ منذ صغره، وكان شغوفًا بالإنشاد، فاختار أن يعتني بهذه الموهبة، ويطوّرها إلى جانب اهتمامه بمجال الروبوتيك. وأوضح أنه اكتشف قدراته في التحكم بالبرمجيات، وصناعة الألعاب والتطبيقات، والتي تعمل هذه المؤسسة، هي الأخرى، على رعايتها. وأضاف سامي أنه كان في السابق مدمناً على الألعاب الإلكترونية، وهو ما كاد يؤثر سلبًا على مواهبه، إلى أن نصحه أحد أصدقائه ووالداه بالالتحاق بدار الشباب، ليجد فيها المرافقة، والدعم، وهو ما ساهم في تطوير مهاراته، وتحويله من منخرط إلى مؤطر يدرّس الروبوتيك، والإنشاد، ويشجع أقرانه على الاهتمام بمواهبهم، مؤكدًا أن دُور الشباب لم تعد فضاءات كلاسيكية، بل أصبحت منفتحة على مختلف الطاقات الشابة. أما البرعمة ندى عراج فكانت موهبتها في التنشيط، وصناعة المحتوى. وأوضحت أنها اكتشفت هذه الموهبة داخل مسجد "الزبير بن العوام"، حيث كانت ترتاده لتعلم القرآن الكريم. وهناك لاحظت امتلاكها كاريزما وقدرة على الإلقاء والصوت، ما شجّعها على خوض مجال التنشيط، الذي وصفته بالصعب؛ إذ يتطلب ثقة كبيرة في النفس. وأضافت أنها التحقت بدار الشباب لتطوير موهبتها، حيث خضعت لدورات تكوينية، وتحصلت على عدة شهادات؛ ما فتح لها المجال للتوجه نحو صناعة المحتوى. واختارت تقديم محتويات في التربية الدينية عبر الفضاء الرقمي. وأكدت أنها فضّلت استغلال التكنولوجيا في ما يفيد بدل تضييع الوقت في الألعاب، أو التصفح العشوائي. ومن جهته، اختار الشاب صهيب غالي المقبل على اجتياز شهادة البكالوريا، الالتحاق بدار الشباب؛ لتأسيس فضاء أدبي يرعى موهبته في الكتابة، التي تتنوع بين الشعر، والخاطرة، والقصة، والرواية. وأشار إلى أنه استغل التكنولوجيا للترويج لموهبته من خلال نشر أعماله عبر حسابه على "إنستغرام"، مستعينًا بتقنيات الذكاء الاصطناعي؛ لتقديم محتوى جذاب، مؤكداً أن دُور الشباب توفر دعماً حقيقياً للشباب، وتحميهم من مخاطر الإدمان الرقمي. وفي مجال التصوير والتمثيل وصناعة المحتوى، اختار الشاب موسى رامي بدوره، الالتحاق بدار الشباب لتطوير مهاراته، مؤكدًا أن هذه الفضاءات توفر الإمكانيات التي تساعد الشباب على النجاح. وأضاف أنه تمكن من تعلّم العديد من التقنيات التي ساعدته على فهم موهبته، وصقلها. كما أصبح قادراً على تقديم خدمات في مجال صناعة المحتوى، خاصة في المجال المدرسي. وردّاً على انشغالات الأولياء مع اقتراب العطلة الصيفية، أوضح مدير دار الشباب مصطفى الشيكر، أن هذه المرافق تفتح أبوابها أمام جميع الشباب، سواء كانوا موهوبين أو غير موهوبين، مشيراً إلى أن كل طفل يمتلك موهبة، منها الظاهر ومنها الخفي، " وما علينا إلا البحث عنها، ومرافقتها ". وأضاف أن التطور الرقمي فرض على دُور الشباب مواكبة التغيرات من خلال توفير الإمكانيات المادية والبشرية لمرافقة الأطفال، والعمل على احتضان مواهبهم، وتأطيرها. وأشار إلى أنه رغم الاعتقاد السائد بتراجع الاهتمام ببعض المجالات الأدبية، إلا أن دُور الشباب سجلت إقبالاً من الأطفال على الشعر، والقصة، وحتى محاولات في الرواية؛ ما دفعها إلى فتح نوادٍ أدبية؛ لرعاية هذه الطاقات. كما أكد المتحدث أنّ هناك اهتماماً متزايداً بمجال صناعة المحتوى؛ استجابة لميول الشباب إلى التكنولوجيا، حيث يتم توجيههم نحو كيفية إنتاج محتوى هادف، واحترافي. وفي ختام حديثه، شدد على أن دُور الشباب اليوم تسير وفق التوجهات الجديدة لوزارة الشباب والرياضة، التي تفرض تحيين النشاطات بما يتماشى مع تطلعات الشباب، داعيًا الأولياء إلى مرافقة أبنائهم، والبحث عن مواهبهم، وإلحاقهم بهذه الفضاءات التي تضمن التأطير، والدعم، وتساعد على تطوير قدراتهم.