تحول "الترند" في الثقافة المجتمعية الجزائرية، على غرار ما يحدث في كل دول العالم، إلى تعبير مكثف عن ديناميكيات المجتمع اليومية، في ظل الرقمنة وتسارع تدفقات المعلومات، حيث لم تعد العلاقات الاجتماعية محكومة بالبنى التقليدية، بل أصبحت تتشكل داخل شبكات رقمية مفتوحة، تتقاطع فيها الأدوار، فمن زاوية الانتشار، يُفهم "الترند"، على أنه عملية انتشار اجتماعي للأفكار والممارسات عبر قنوات محددة، في زمن ونسق اجتماعي معين. ولعل ما يميز "الترند" الرقمي، تسارع العملية وتحولها إلى عدوى اجتماعية، تنتشر بفعل التكرار والمشاركة وإعادة الإنتاج، بالتالي فهو منظومة من المعاني التي يضفيها الأفراد على هذا المحتوى، ويعيدون تشكيلها، من خلال التفاعل وإعادة توجيه مساراته. وأمام التدفق الهائل للمعلومات، تحول "الترند" إلى آلية تنافسية، تحتل وعي الأفراد، ما يطرح الكثير من التساؤلات حول سوسيولوجية "الترند" في المجتمع الجزائري، والتي تحتاج إلى فهم أنماط المجتمع وكيفية التفاعل في العصر الرقمي، وإعادة التفكير في المفاهيم الكلاسيكية، وتطوير أدوات تحليلية، لفهم واقع أصبح فيه التداخل كبيرًا بين الواقع والعالم الافتراضي، الفردي والجماعي، العفوي والموجَّه. سلطت "المساء"، من خلال عدد من الدراسات المنبثقة من الواقع الجزائري، الضوء على مدى التأثير الذي يحمله "الترند" على المجتمع، بعدما أصبح يُنظر إليه على أنه ظاهرة اجتماعية، تحمل من السلبيات أكثر من الإيجابيات. ولعل الأخطر من ذلك، حسب العارفين بالشأن الرقمي والمختصين الاجتماعيين والنفسانيين، أن الكم الكبير من متتبعي "الترند"، هم من الأطفال والمراهقين والشباب، ما يجعل من دراسة الظاهرة وتحديد جملة من الآليات لضبطها، ضرورة حتمية، خاصة أمام السرعة الكبيرة لتدفق المعلومة وانتشارها، وهو ما يجعل الضبط وحماية الأفراد منها أمرًا صعبًا. "الترند" ظاهرة سريعة الانتشار تحتاج إلى دراسة سوسيولوجية لفهمها يرى الدكتور قاسمي حسني مجيد، أستاذ محاضر بجامعة البليدة "2"، أن السبب الذي دفعه إلى طرح إشكالية" الترند" كظاهرة سوسيو-ثقافية، يأتي نتيجة التغيرات الجديدة في واقع هجين، يمزج بين الواقع والعالم الافتراضي، الأمر الذي فرض حتمية فهم الظاهرة وتحليلها ودراستها اجتماعيًا، لفهم خصائصها وأبعادها وخلفياتها وتجلياتها. لافتًا إلى أنه، في مفهوم علم الاجتماع، فإن "الترند "عبارة عن ظاهرة سوسيو-ثقافية مركبة، ظهرت مع التكنولوجيا عبر منصات التواصل الاجتماعي، أو ما يسمى بالمجتمعات الشبكية. بالتالي "الترند" مصطلح جديد يُستعمل بمفهوم عام، كما هو معروف في بيئته الرقمية، ويُقصد به انتقال النماذج بسرعة بين الأفراد وتقليدها بوتيرة عالية. ومن الناحية النفسية، يرتبط بحب التقليد ومدى تأثير مواقع التواصل الاجتماعي على الأفراد، أما في بعده الاقتصادي، فيُفسَّر بما يُعرف ب«اقتصاد الانتباه"، أي أن المحتوى الذي يجذب مشاهدات كبيرة، هو محتوى يمكن أن يحقق عائدًا ماديًا، حيث نجد أن بعض "الترندات" التي يُروَّج لها وتُقلَّد، لا تقوم على أساس القيمة أو المضمون، وإنما على عدد المشاهدات، حتى وإن كانت تافهة، وما أكثرها. أما من الناحية الاجتماعية، فلا تزال الظاهرة بحاجة إلى دراسة، مشيرا إلى تنظيم ملتقى يُعد الأول من نوعه على المستوى الوطني، فتح فيه النقاش حول هذه الظاهرة من حيث أبعادها، وطرح المقاربات التي تسمح بفهمها، خاصة وأن تأثيرها كبير على الحياة الاجتماعية، وتطرح متغيرات كثيرة تحتاج إلى تشخيص وضبط. "الترند" .. انتقال من نظرية "القطيع" إلى الخوارزميات من جهتها، عادت الدكتورة فتيحة بن فرحات، من جامعة البليدة "2"، قسم علم الاجتماع، إلى شرح مفهوم "الترند" بالاستناد إلى "نظرية القطيع"، مستشهدة بالمثال الذي يوضح الظاهرة، لفهمها فهمًا صحيحًا، مفاده أن شخصًا كان مسافرًا على متن سفينة رفقة قطيعه، وقد أزعج القطيع أحد المسافرين، فطلب شراء خروف منه بأي ثمن، وكان له غرض خفي من وراء ذلك، ثم رمى به في البحر، فسارع القطيع بأكمله إلى رمي نفسه من السفينة، ما تسبب في خسارة صاحب القطيع لأموال كبيرة. وهكذا يفتح التقليد الأعمى بابًا لنتائج كارثية. وكذلك هو الحال بالنسبة ل«الترند"، فهو تقليد رقمي موجود في مختلف دول العالم، تمارسه جميع شرائح المجتمع، وقد انتشر بشكل كبير في مواضيع متعددة، تعكس ما يحدث في المجتمع. وقالت المختصة، بأن "الترند" يحمل شقين في محتواه: إيجابي وسلبي، غير أن ما يدعو للقلق، هو غلبة الجانب السلبي. فمثلًا، من بين الترندات التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي، هناك "ترندات" تافهة، تمثل صناعة وترويجًا للتفاهة، مثل صب الماء المغلي على الأشخاص، أو صب الماء المثلج، الذي قد يؤدي إلى أضرار صحية، وترند سلق الدجاج بدواء السعال، وترند إشعال النار في الحمام ومحاولة إطفائه، وترند الارتماء في القمامة والأماكن الملوثة، وتناول المكملات الغذائية دون ماء، إضافة إلى "ترندات" في المظهر واللباس الممزق. وبالمقابل، تضيف نجد "ترندات" إيجابية تتعلق بالنظافة وحملات حماية البيئة، ووضع الزهور وتنظيف المدن، غير أنها تظل محدودة مقارنة بالترندات السلبية التي تنتشر بشكل كبير، ويجري تقليدها على نطاق واسع، والخطير في الأمر، أن التقليد، تبعًا لنظرية القطيع، يتم غالبًا دون وعي. وفي السياق، أكدت المتحدثة، أن الفئة الأكثر تأثرًا ب«الترند"، هي فئة المراهقين والأطفال، الذين لا يزالون في مرحلة بناء الشخصية، حيث تحول التقليد، في ظل التدفق الإعلامي الكبير، إلى شكل من أشكال الترفيه غير المفيد، نتيجة انتشاره الواسع بفعل الخوارزميات. لافتة إلى أن "الترند" ظاهرة جديدة، لها إيجابيات وسلبيات، وهي بحاجة إلى دراسة من الناحيتين الاجتماعية والنفسية، لفهم تأثيرها، خاصة على فئة الشباب والمراهقين. كما شددت المختصة على ضرورة لفت انتباه الأسر، ورفع مستوى الوعي، مؤكدة على أهمية الرقابة الأسرية، وعدم الانسياق وراء كل ما هو رائج، داعية وسائل الإعلام إلى عدم ترويج "الترندات السلبية"، مقابل التعريف ب "الترندات الإيجابية" وتشجيع انتشارها. ظاهرة رقمية دخيلة فرضتها التكنولوجيا من جهتها، أشارت البروفيسور مليكة فرحات، بجامعة الجزائر "2"، إلى أن "الترند" ظاهرة رقمية دخيلة على المجتمع الجزائري، فرضتها مواقع التواصل الاجتماعي، بل حتى المصطلح في حد ذاته دخيل، حيث كانت هناك وسائل تقليدية لنقل الأخبار، مثل "القوال" و«لبراح"، غير أن الفيديوهات أصبحت اليوم تنتشر بسرعة كبيرة، بفعل التقليد وإعادة الإنتاج. وأكدت أن من أهم التوصيات التي تحث عليها، ضرورة تكاثف جهود مختلف القطاعات، للعمل على مشاريع تهدف إلى حماية المجتمع من الآثار السلبية ل«الترند"، خاصة وأنه يستهدف فئات حساسة، كالأطفال والمراهقين والشباب، الذين يتسمون بالاندفاع وحب التجربة، وهو ما أثر بشكل واضح على العادات والتقاليد والقيم المجتمعية. كما شددت على أهمية تحديد المفهوم الحقيقي ل«الترند"، ودراسة انعكاساته، والبحث عن سبل لحماية الطفولة والشباب، خاصة وأن التجارب الميدانية أظهرت أن الترندات السلبية هي الأكثر متابعة واستهلاكًا. وفي السياق، أوضحت المتحدثة أن "الترند" لا يزال ظاهرة جديدة، بحاجة إلى فهم أعمق، لحماية المجتمع من تأثيراته السلبية، مقترحة استخدام نفس الآلية، أي صناعة ترندات إيجابية لمواجهة الترندات السلبية، بالتعاون مع قطاعات، مثل التضامن والأمن والشؤون الدينية، وقطاع التربية والتعليم العالي. من التقليد إلى توجيه الرأي العام بينما ركزت الدكتورة شهرزاد لمجد، من كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، على كيفية تأثير الفضاء الرقمي في تشكيل الرأي العام، مشيرة إلى أنه لم يعد يُفهم على أنه انعكاس طبيعي لآراء الأفراد، بل أصبح نتاجًا لبيئة رقمية معقدة، تتداخل فيها عدة عوامل، مثل الخوارزميات وسلوك المستخدم واستراتيجيات التوجيه الإعلامي. وأوضحت أن الإشكالية الكبرى، تكمن في كيفية مساهمة آليات ترتيب الأولويات، والتأطير الإعلامي في وسائل التواصل الاجتماعي في صناعة رأي عام مصطنع، من خلال ما يُعرف بهندسة الترند. وحسب المختصة، فقد عرف الرأي العام في الفضاء الرقمي، تغيرات كبيرة، حيث أصبح يتشكل بسرعة ويتأثر بما تتيحه الخوارزميات، ولم يعد يعبر عن موقف جماعي حقيقي، بل أصبح نتاجًا انتقائيًا لمحتوى مُوجَّه، يُصنع ويُضخَّم عبر تدخلات منظمة، تسعى إلى إظهاره كأنه يعكس رأي الجماهير، بينما هو في الحقيقة يعكس إرادة خفية. من بين العوامل التي تساهم في صناعة هذا الرأي المصطنع، تكشف المختصة "السرعة في الانتشار"، وتكثيف المحتوى عبر نصوص وتصريحات وفيديوهات تدعم نفس الفكرة، إضافة إلى تضخيم التفاعل عبر شبكات وهمية، مع الاعتماد على المحتوى العاطفي لسرعة انتشاره، وهو ما يؤدي في النهاية إلى خلق "وهم الإجماع". وتختم المتحدثة، بأن خطورة "الترند" في المجتمع الجزائري، تكمن في قابلية التأثر بالرأي العام المصطنع، نتيجة كثافة استخدام الشبكات الاجتماعية، وضعف التحقق من المعلومات، والحساسية العالية للقضايا الاجتماعية.