*الشيخ صالح المغامسى جملة : الإيمان والعمل الصالح قال الله سبحانه وتعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً * خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا [الكهف: 107 108] . وأهل الجنة _ كما قلنا _ درجات فأول من يدخلها من عامة الناس فقراء المهاجرين لأن الفقر من أعظم أنواع الابتلاء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما روى الحاكم في المستدرك من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال - : يأتي فقراء المهاجرين يستفتحون باب الجنة فيقول لهم خزنتها : أو قد حوسبتم ؟ فيقول هؤلاء الفقراء : وعلى أي شيء نحاسب ؟ وإنما كانت أسيافنا على عواتقنا نجاهد في سبيل الله فيدخلون الجنة قال عليه الصلاة والسلام : فيقيلون فيها أربعين عامًا قبل أن يدخلها الناس (أخرجه الحاكم في المستدرك ) . * وممن يدخل الجنة مؤمنون كتب الله لهم الجنة بلا حساب ولا عذاب _ جعلنا الله وإياكم منهم - * ومنهم من يرزقون شفاعة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام . * ومنهم ممن يرزقون شفاعة أهليهم من العلماء والشهداء والصديقين أو من الملائكة المقربين . * ومنهم من يمن الله سبحانه وتعالى عليه برحمته أي بشفاعة الله سبحانه وتعالى ذاته . * ومنهم من يمنع دخول الجنة ابتداء : 1- المتكبرون : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر (أخرجه مسلم ) فهؤلاء وإن كانوا موحدين إلا أن ما في قلوبهم من الكبر يمنعهم من دخول الجنة ابتداءاً . وقد صح في الحديث أن عبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما التقيا عند المروة في مكة فتحدثا قليلاً ثم مضى عبد الله بن عمرو فلما مضى بكى عبد الله بن عمر فقيل له : ما يبكيك يا أبا عبد الرحمن قال : إن هذا _ وأشار إلى عبد الله بن عمرو رضى الله عنه - أخبرني أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر كبه الله على وجهه في النار (أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ) . فالكبر الذي في الصدور _ والعياذ بالله _ أعظم ما يحول ما بين العبد وبين دخول جنات النعيم والمؤمن إذا عرف أن الله سبحانه وتعالى ذم الكبر وأهله وأنه _ تبارك وتعالى _ أمر سيد الخلق وصفوة الرسل قائلاً : وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً [الإسراء : 37] تواضع كما أمره الله سبحانه وتعالى أن يتواضع لأن الكبر والعياذ بالله _ يسوق العبد إلى كثير من المعاصي والإفساد في الأرض . 2- الظالمون : وإن كانوا من الموحدين الظَّلمة من العباد قال صلى الله عليه وسلم : صنفان من أهل النار لم أرهما : قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس (أخرجه مسلم ) قال بعض العلماء القدامى : وإنهم في زماننا هذا . قال صديق حسن خان رحمه الله : بل هم في كل الأمصار والأعصار وغالبًا ما يكونون من ذوي الجاه والقدرة والأعيان الذين يكون لديهم أعوان وقدرة على الظلم ومعهم ما معهم يضربون به الخلق . إن الظلم أيها المؤمنون حرمه الله على نفسه وجعله بين عباده محرمًا ولأن تلقى الله تعالى بكل ذنب دون الشرك أهون من أن تلقاه بظلمك لعباد الله _ تبارك وتعالى - : قال سبحانه وتعالى : وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ [هود: 113] . جاء رجل إلى الإمام مالك رحمه الله فقال : يا أبا عبد الله : إنني أعمل عند أناس ظالمين يظلمون الناس ويجلدونهم بغير وجه حق وأنا أعمل عندهم خياطًا أحيك لهم الثياب أفأنا من الذين ركنوا إلى الذين ظلموا ؟ فقال مالك رحمه الله : بل أنت منهم فقال : يا مالك : ومن إذن الذين ركنوا إلى الذين ظلموا ؟ قال : يا أخا العرب الذين ركنوا إلى الذين ظلموا من باعك الخيط الذي تخيط به لهؤلاء . فالمؤمن يتحرر من كل ما فيه ظلم للعباد وقد يظن إنسان أن الظلم إنما يكون مقصورًا في فئة من الناس كل من كان تحت يديك وجعل الله تبارك وتعالى _ لك سلطة عليه فظلمته وبخسته حقه من زوجة أو ولد أو طالب في المدرسة أو موظف تحت إدارتك أو أجير أو عامل أو خادم أو سائر ذلك ظلمته ونهرته وضربته بغير وجه حق دخلت فيمن قال فيهم صلى الله عليه وسلم : صنفان من أهل النار لم أرهما . 3- أم الصنف الآخر فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات عليهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها قال العلماء: للجنة ريح عبقة ذكية يتلقاها المؤمنون . فإذا كان هؤلاء النساء على هذا الوضع مما هو مشاهد في زماننا هذا مشاهد في القنوات والفضائيات في الأفلام والأغاني مشاهد في كثير من الأسواق مشاهد في كثير من صالات الأفراح مشاهد في كثير من الطرقات نساء _ والعياذ بالله _ تحررن من عبودية الخالق إلى عبودية المخلوق وأصبحن _ أردن أم أبين _ أداةً لأعداء الدين يلعبون بهن كيفما شاءوا . والمؤمنة التي تعلم أنها ستلقى الله سبحانه وتعالى تعلم أن الله سبحانه وتعالى فرض عليها حجابًا شرعيًا وخير للمرأة ألا ترى الرجال ولا يراها الرجال . ولقد بذل كثير من علماء المسلمين المعاصرين والسابقين كثيرًا من علمهم ووقتهم في تبيين الحجج للناس ودفع حجج الظالمين ممن يزينون للنساء ترك الحجاب ويدعون _ عياذًا بالله _ إلى التبرج والسفور مما حرمه الله سبحانه وتعالى ونهى عنه . فالمؤمنة التقية التي تبصر ملاقاة الله وتعلم يقينا أنها داخلة في عموم قول الله تعالى : يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ [الانشقاق: 6] تخشى الله سبحانه وتعالى فيما تلبسه وتتقي الله تبارك وتعالى فيما ترتديه ولا تكون فتنة لشباب المسلمين أينما كانوا وحيثما نزلوا. هذه الطائفة محرومة من دخول الجنة . 4- قاتل نفسه : كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه سبحانه وتعالى : عبد بادرني بنفسه حرمت عليه الجنة (أخرجه البخاري ) أي : من يموت انتحارًا فمن مات انتحارًا حرم الله سبحانه وتعالى عليه الجنة ابتداءً ولا يعني هذا أنه لن يدخلها أبدًا فقد يغفر الله سبحانه وتعالى له لأن الانتحار رغم أنه أمر من كبائر الذنوب وعظائم المعاصي ونهى الله سبحانه وتعالى عنه فقال : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء: 29] لكنه ذنب لا يخرج صاحبه من الملة ولا يخرج العبد من حظيرة الإسلام . فمن ابتلي أحد قرابته بشيء من هذا فليصبر ولله الأمر من قبل ومن بعد ويصلي عليه إلا أنه لا يصلي عليه الإمام الأكبر أو نائبه ويدفن في مقابر المسلمين كما بين أهل العلم رحمهم الله . هذه الأمور تحول بين العبد وبين دخول الجنة . أما التي تجعل العبد أهلا أن يدخل الجنة : فينبغي أن نعلم ابتداءً أن الجنة ليست ثمنًا للعمل الذي صنعته وإنما هي فضل من الله وجزاء منه وفرق أن يكون الشيء عوضًا وثمنًا وبين أن يكون الشيء سببًا في رحمة الله سبحانه وتعالى .