يعتبر بيع التوت، على حواف الطرقات في ولاية تيبازة، من أبرز المشاهد التي ترسمها الطبيعة، خاصة خلال موسم الإثمار وفصل الربيع، فهذا النشاط، ليس مجرد تجارة موسمية عابرة، بل تحول إلى ظاهرة ثقافية واقتصادية، تعكس روح المبادرة لدى شباب المنطقة، وتضفي جمالية خاصة على الشوارع. يقوم بهذا النشاط، في الغالب، أطفال وشبان يستغلون أوقات فراغهم في عطل نهاية الأسبوع أو العطل المدرسية، حيث يذهبون في الصباح الباكر إلى أشجار التوت المنتشرة في المنطقة، ويستخدمون طريقة تقليدية لجني الثمار، تشبه إلى حد كبير، طريقة جني الزيتون، حيث يضعون أغطية بلاستيكية تحت الشجرة، ويهزونها بقوة لتتساقط الحبات. بعد الجني، تمر الثمار بمرحلة فرز دقيقة، حيث يتم اختيار الحبات ذات النوعية الجيدة فقط، ثم تعبئتها في سلال مصنوعة من الدوم أو دلاء بلاستيكية، لضمان عدم تعفنها أثناء النقل والعرض. تقاليد تتحول إلى مصدر رزق مربح تجد في العديد من مناطق تيبازة، أطفالا وشبابا يبيعون التوت على جوانب الطرقات، يحملون سلالا صغيرة مليئة بالتوت، يعرضونها على المارة، لشراء كمية من هذه الفاكهة البرية الطازجة، حيث يعتبر هذا النشاط، وسيلة لكسب قليل من المال لهؤلاء الباعة وعائلاتهم، ويلجؤون لهذا النشاط، في فترات نهاية عطلة الأسبوع، أو خلال العطل المدرسية، أو في أوقات فراغهم، راسمين بذلك صورا جميلة عبر هذه الشوارع والطرقات ومداخل المدن. فبيع التوت في طرقات تيبازة، من الأنشطة التجارية الشائعة، التي انتشرت بشكل واسع على جوانب الطرقات، خاصة في موسم الربيع، حيث يعتبر التوت من الفواكه الشهية والمحببة لدى العديد من الناس، لذلك يكثر الطلب عليه في فترة انتشاره الموسمي. وترى العديد من الباعة المتجولين، يقومون بعرض التوت وفواكه أخرى في الشوارع، وعلى جوانب الطرقات، على المارة والسائقين وأبنائهم، الذين يدفعونهم إلى التوقف لتذوقها، بل يعتقد البعض أنه من الضروري أن ترافقهم في رحلته السياحية. وبالطريق الوطني رقم "42"، الرابط بين مدينتي أحمر العين والعفرون، وعلى أطراف حي "بلعاليا أحمد"، لا يتوانى الشاب "أواب بن يامنة" ورفقائه، في استغلال أوقات فراغهم، سواء في نهاية الأسبوع أو في العطلة المدرسية، لوضع سلال من التوت فوق طولة للبيع، تعرض على المارة وزوار المنطقة، الذين يتوافدون من أجل السياحة والاستجمام خلال هذه الفترات من السنة، فمع غزارة إنتاج فاكهة التوت، هذه السنة، في الأشجار المغروسة بالمنطقة، لم يفوت أواب، فرصة ضمان مداخيل إضافية لنفسه وللعائلة، من أجل توفير مصروف الجيب والدراسة، وتخفيف العبء على والديه. ويذهب أواب ورفقاؤه، في الصباح الباكر، نحو أشجار التوت المغروسة على حواف الأراضي الزراعية، لقطف كميات معتبرة من التوت، وأوضح ل«المساء"، أنه يفترش غطاء مصنوعا من البلاستيك تحت الأشجار، بمساعدة صديقه، ويصعد في أعلى الشجرة ويقوم بعملية الهز، حتى تتساقط حبات التوت، وهي عملية تشبه كثيرا عملية جني الزيتون التقليدية، وتستمر العملية لساعات بالتنقل من شجرة لأخرى، ويتم فيما بعد اختيار النوعية الجيدة والحبات التي يصلح عرضها للبيع في سلات من الدوم، أو دلاء من البلاستيك، لضمان عدم تعفنها أثناء نقلها وترتيبها فوق الطاولات، التي تنصب على حافة الطريق. متعة وسياحة تجد العائلات القاصدة لولاية تيبازة، القادمة من ولايات مجاورة، كعين الدفلى، البليدة والعاصمة، متعة كبيرة في شراء حبات التوت مختلفة الألوان والأحجام، فبعض العائلات تفضل التوت الأبيض، نظرا لحلاوته، أما البعض الآخر، فيفضل التوت الأسود ذي الحجم الكبير. ويفضل آخرون التوت الذي يميل لونه إلى الأحمر ومذاقه رائع، حيث يقول عمي أحمد بلعاليا، وهو أحد الفلاحين القدامى بالمنطقة، إن أشجار التوت تعود إلى الفترة الاستعمارية، حيث تم غرسها للحفاظ على حقول القمح من غزو الطيور المهاجرة، والاستعانة بها لتوفير الظل أثناء فترة الحصاد، لتتحول بعد الاستقلال إلى مصدر رزق للكثير من الشباب، الذين يعكفون على جمعها وبيعها على حافة الطريق، موضحا أن المعمرين قاموا بعملية تهجين وتلقيم أنواع عديدة من التوت، وهذا ما يفسر تنوع الألوان والأحجام في حقل واحد. ولا يتوانى محمد دحماني، وهو موظف من ولاية البليدة، حسبما أكده ل"المساء"، في التوقف كل نهاية الأسبوع، على حافة الطريق، لشراء التوت لزوجته وبناته أثناء توجهه إلى المناطق السياحية بالمنطقة، للاستجمام وتناول الشواء في الهواء الطلق، حيث يقول إن عائلته أدمنت على تناول التوت في كل مرة "فيدفعونني إلى التوقف لشرائه، ويقومون باختيار النوع الذي يرونه مناسبا بعد تذوقه، فبعد خروجي من البيت مباشرة، متوجها إلى ولاية تيبازة في هذه الأيام، يخاطبونني.. أبي لا تنسى شراء التوت... فأرضخ في كل مرة لطلباتهم، وأشتري أنواعا مختلفة، لكنها بالفعل رائعة وصحية، لأنها فاكهة برية بدون مضافات كيميائية، وهذا ما يشجعنا على تناولها". وفي موقف مشابه، يضطر سائقو الحافلات، المقلة للسياح والمصطافين المتوجهين إلى الولاية، من خلال الرحلات المبرمجة للتوقف، إلى السماح للراكبين بالحصول على حبات التوت، التي تسيل لعاب كل من يراها معروضة فوق طاولات، مزينة في سلال وصحون تجلب الناظرين. ويجمع مختصون في علم الاجتماع ل"المساء"، على أن اكتساب المهارات والتعلم والفرص التعليمية المتاحة خارج المدرسة، تلعب دورا هاما في نمو وتطور الأطفال، فهي تمنح الأطفال فرصة لاكتساب مهارات جديدة، وتطوير العديد من المهارات الحيوية، التي لا يمكن تعلمها داخل الصفوف الدراسية، بالإضافة إلى ذلك، تشجع الأطفال على الانخراط في أنشطة خارج المدرسة، يمكن أن تعزز استقلاليتهم، وتقوي ثقتهم بأنفسهم، وتساعدهم على تطوير شخصية قوية وناجحة.