العارف لا يكون إلا مع الله. يقول ابن عطاء الله السكندري:”العارف لا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره” إن الأسباب الكونية تضمحل أمام العارف ثم تزداد اضمحلالاً، إلى أن تذوب وتغيب ولا يبقى أمامه وفي شهوده إلا المسبب الواحد الفعال، وهو الله عز وجل، إذن فرخاؤه من الله، وابتلاءاته من الله، وهو في كلا الحالتين يتحرك في قبضة الله، ومن ثم فهو لا يدري ما الذي سيأتي به الغد، بل لا يدري ما الذي يصنع الله به بعد لحظات، إنه يعيش دائماً مع قول الله تعالى:”وما أَدري ما يُفْعَلُ بِي ولابِكُم”(الأحقاف) سواء فيما يتعلق بموته وحياته، ورزقه ومعيشته، وأمنه وطمأنينته، ومدى انقياده لأوامر ربه، ومدى توفيق الله له في ذلك. وهذا هو المعنى الشمولي العام لكلمة ”الفقراء”في قوله تعالى:ياأيُّها الناس أنتم الفُقراءُ إلى اللهِ واللَّه هو الغنِيُّ الحمِيدُ”(فاطر)ويقابله المعنى الشمولي العام لكلمة”الغني”في قوله:”واللَّه هو الغَنيُّ الحَميدُ” إذن فالعارف لا يأمن مكر الله في لحظة من حياته، إنه يخشى أن يتيه عن صراط الله بعد نعمة الانقياد إليه، ويخشى من أن يبتليه الله بغاشية جهل ومن أن يُبتلى بقسوة في قلبه فترتد عنه النفحات وتبتعد عنه التجليات، ولعله دائماً يذكر في قلق وخوف قول الله عز وجل:”واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرءِوقلبٍهِ”(الأنفال) والعارف لا يأمن أن تتحول الأمطار التي تهمي من السماء إلى حصباء، ولا يأمن أن تتحول ينابيع الأرض إلى براكين، وأن يتحول استقرارها إلى زلازل هادرة، وأفواه فارغة بالابتلاع والخسف..إنه لا يأمن أن يحصل كل ذلك في لحظة واحدة من خلال أمر صادر من الله عز وجل، لا يزيد مضمونه على معنى كلمة ”كن”. ولعله يخشى أن يتم ذلك أو شيء منه بسبب ذنب يرى أنه صدر منه أو بسبب تصرف يرى أنه صدر منه، أو بسبب تصرَّف يرى أنه قد أخلّ بالأدب مع الله فيه. هذا بقطع النظر عن أنه يعلم أنه فقير في غناه، ضعيف في قوته، سقيم في عافيته، إذ هو يعلم أن ذلك كله عارية مردودة، وأنه لا يملك من ذلك كله شيئاً. إذن، فالعارف يعيش في كل تقلباته وأحواله مرحلة الاضطرار.ومن ثم فهو دائم الالتجاء إلى الله، مستمر في دعائه وشكواه وانكساره، لأن مشاعر فقره وضعفه لا تفارقه، سواء أكان في حالة شدة أو رخاء. وجل هم العارف الخوف من أن تشْرُد به نفسه إلى ما يسخط الله، أو أن يقصر في شيء من حقوق الله عليه، أو ان يطلع الله منه على خاطرة يسيء بها الأدب مع الله، أو أن يرفع عنه سدراً أسدله الله عليه فيفتضح أمره وينكشف للناس ما كان مخبوءاً-فيما يعتقده-من سوء حاله. وهو من أجل ذلك-لا من أجل حظوظ الدنيا-دائم الأحزان، دائم الالتجاء إلى الله، يلازم محراب التبتل والانكسار له عز وجل، فمن أجل ذلك لا يزول اضطراره ولا تبارحه همومه، وكيف يزايله الهم وتغيب عنه مشاعر الاضطرار، وهو في كل أحواله وتقلباته يردد في نفسه أو بلسانه قول الله تعالى:”وخافُونِ إنْ كُنتمْ مُؤمٍنينَ”(آل عمران)؟! إذن فحق على كل مؤمن أن يخاف الله.أياً كان ومهما كانت درجة استقامته ووقوفه عند حدود الله. فمن يعتمد على طاعته أو جهاده أو علمه فستتحول طاعاته وأعماله عندئذ إلى حجاب يقصيه عن معرفة الله وعفوه.. وقرار العارف كيفما تحرك وأنّى توجه وفي أي الأحوال تقلب، إنما يكون مع الله.. لكن ما الغرض من ذكر أحوال العارفين ونحن أعجز من أن نقتفي أثرهم ونلحق بهم؟ إن الطريق الموصل إلى الدرجة الباسقة، لا يزال مفتوحاً وميسراً أمامنا جميعاً، مهما طال أو بعد مداه. ثم إن المسلم لن ينتبّه إلى تقصيره في جنب الله وتفريطه في أداء حقوق الله عليه، إلا عندما يقف على مناقب هؤلاء الصالحين ويتبين أحوالهم، وعظيم جهادهم وجهودهم في سبيل مرضاة الله عز وجل. وأغلب الظن أن حب الصالحين سيلحقك بهم حتى وإن لم تكن منهم، وان الله سيجعل منه شفيعاً لتقصيرك يوم القيامة، وهكذا فإن حب الصالحين من أقرب الطرق الموصلة إلى مرضاة الله. المرحوم الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي (بتصرف)