رئيس الجمهورية يتلقى رسالة تهنئة من رئيس جمهورية الصين الشعبية    ولاية الجزائر: الإطاحة بجماعة إجرامية مختصة في تهريب العملة    كقطب إقليمي الجزائر مؤهلة لتموين القارة الإفريقية بالأدوية    رئيس الصين يُهنّئ تبّون    انتصار تاريخي تحقّق في صحرائنا    إدماج 54 متربّصا ناجحا في مسابقة "اتصالات الجزائر"    الإشادة بمرافقة الجزائر للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة    عملاق منجمي صاعد..    أوّل قطار يربط تندوف ببشّار رِحلة تاريخية..    "حماس" تدين بشدة سلوك الاحتلال الصهيوني    إسبانيا تحتضن فعاليات ثقافية للتعريف بعدالة القضية    ساعات دامية في غزّة    حظوظ الشبيبة تتقلّص    رحو مدرّباً لمازيمبي    تحويل مؤقت لحركة سير مركبات الوزن الثقيل    الأسر الجزائرية تستعد لرمضان    أيام إعلامية للحرس الجمهوري بوهران    قويدري: العمل على تحقيق رقمنة شاملة لقطاع الصناعة الصيدلانية في 2026    رياح قوية مُنتظرة    لحظات حاسمة في محطات تاريخية فارقة    "النهضة" و"الفجر الجديد" تقدّمان اقتراحاتهما    ترامب يستحق جائزة نوبل للحرب    الملايين يواجهون الجوع في السودان    جرائم السرقة عن طريق التّنويم تتواصل    إضراب الثمانية أيام.. رمز وحدة الشعب الجزائري في مواجهة الاستعمار    خط السكة الحديدية بشار-بني عباس-تندوف-غارا جبيلات    سنقدم برنامجًا اقتصاديًا نوعيًا وسنبقى قريبين من المواطن    حادث دهس قاتل بالطريق الوطني رقم 10    العلاقات الجزائرية-الهندية تعرف دفعة نوعية في عديد المجالات    أحسن داوس " دراسة تطبيقيّة للكاتبة " ابتسام جوامع"    جهاز الجمارك يضطلع بدور محوري في حماية الاقتصاد الوطني    نعمل على بناء منظومة تنبؤ و تحكم و استجابة, ضابطة للأسعار    جزائري في فالنسيا    ناصري: وتيرة تطور متسارعة تعرفها الجزائر المنتصرة    62 تدخلا عبر 35 ولاية خلال 24 ساعة    مشاريع جديدة لتحسين الإطار المعيشي ببني صميل    عطال يجري عملية جراحية ويطمئن أنصار "الخضر"    مدرب فولفسبورغ يتحدث عن مشكلة محمد عمورة    "أطياف الروح" في حضرة بونة    ملتقى وطني يعيد قراءة أنظمة القياس في شمال إفريقيا عبر التاريخ    كتابي الجديد.. حينما تتحوّل ذاكرة الطفولة إلى شهادة عن التاريخ    "العميد" أمام منعطف حاسم    13 مجمعا مدرسيا و4 متوسطات و3 ثانويات في الإنجاز    العثور على بطلة باب الحارة مقتولة في منزلها    تمديد المرحلة الثالثة لحملة التلقيح إلى 5 فيفري القادم    التوعية للحد من استعمال المضادات الحيوية    مجلس الأمن يعقد جلسة حول الأوضاع في الشرق الأوسط    حدث تاريخي أفشل مخططات المستعمر في عزل الشعب عن ثورته    تعيين مراد بلخلفة مديرا عاما بالنّيابة لمجمّع "صيدال"    سيغولان روايال تدعو من الجزائر إلى عهد جديد من التعاون الجزائري-الفرنسي قائم على الحقيقة التاريخية واحترام السيادة    معسكر..الشهيد شريط علي شريف رمز التضحية    عمرو بن العاص.. داهية العرب وسفير النبي وقائد الفتوحات    الدين والحياة الطيبة    صيام الأيام البيض وفضل العمل الصالح فيها    الرالي السياحي الوطني للموتوكروس والطيران الشراعي يعزز إشعاع المنيعة كوجهة للسياحة الصحراوية    شهر شعبان.. نفحات إيمانية    تحضيرًا لكأس العالم 2026..وديتان ل"الخضر" أمام الأوروغواي وإيران    الزاوية القاسمية ببلدية الهامل تحيي ليلة الإسراء والمعراج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الرحلة الفارسية.. مهمة منجزة!
نشر في النصر يوم 06 - 02 - 2017


وحيدا في مطار الإمام الخميني ذات ليلة
بقلم الدكتور أحسن تليلاني
وصلت مطار الإمام الخميني القائم على مسافة ساعة بالسيارة عن العاصمة الإيرانية طهران حوالي الساعة 03 الثالثة صباحا من يوم 30 أكتوبر 2016 ، و على الرغم من مشقة السفر تلك الليلة الليلاء لمدة 07 سبع ساعات تحليقا بالطائرة التركية- الدرجة الأولى- و على مرحلتين من الجزائر نحو اسطنبول و منها نحو طهران ، إلا أن حواسي ظلت متيقظة و كأنني أقتحم مغارة أسرارها عجيبة غريبة زادتها أقاويل الإعلام تهويلا على تهويل .
كان الجو معتدلا ، و المطار الضخم عامرا بالمسافرين من كل الجنسيات ، و لم تفلح عيناي في رؤية أي مشهد يوحي بعدوانية الجمهورية الإسلامية الإيرانية أو بغلوها الإسلاماوي المتطرف كما هو مشاع عنها ، فالمسافرون يروحون و يجيئون ، و الموظفون في مكاتبهم و أماكنهم قائمون ، و كل شيء على أحسن ما يرام ، فبمجرد ما أنهيت إجراءات الدخول بسهولة حتى قابلني المكلف باستقبالي من قبل وزارة الإرشاد الإسلامي – وزارة الثقافة الإيرانية – و هو يحمل لافتة كتب عليها إسمي و إسم مندوب وزارة الثقافة التونسية الكاتب سامي نصري الذي سرعان ما التحق بنا عند مخرج المطار ، فازددت ألفة و اطمئنانا برفقته و نحن نستقبل بالترحاب و باقات الورد متجهين بالسيارة نحو مقر إقامتنا بفندق الفردوسي القائم غير بعيد عن ساحة الفردوسي المشهورة وسط العاصمة طهران .
كيف جئت إلى إيران ؟:
لقد استسلمت لبعض هواجسي و أنا أركب السيارة متوجها نحو مدينة طهران بين مرتاح و متوجس من تبعات هذه المغامرة فرحت أستذكر حيثياتها منذ البداية ، حيث كان قد اتصل بي مدير ديوان وزارة الثقافة الجزائرية منتصف شهر سبتمبر 2016 ليعلمني بأن السفارة الإيرانية في الجزائر قد طلبت منهم انتداب شخصية لتمثيل الجزائر في أشغال مؤتمر ممثلي الفنون المسرحية لدول غرب آسيا و شمال إفريقيا من أجل خلق هيئة مسرحية تجمع تلك البلدان ، كما أخبرني أن السيد الوزير عزالدين ميهوبي قد اقترح إسمي لتمثيل الجزائر في هذا المؤتمر ، و لم تمض إلا حوالي ساعة من إعلان موافقتي على القيام بهذه المهمة المشرفة ، حتى اتصل بي المكلف بالشؤون الثقافية في السفارة الإيرانية بالجزائر السيد موسوي ، ليعبر لي عن ترحابه بمشاركتي طالبا مني بياناتي لإرسالها إلى إيران حتى يتم التكفل بكل إجراءات سفري و بكل تكاليف تنقلي و إقامتي ، كما أرسل لي الدعوة الرسمية و معها طلب تحضير ورقة بحثية تتناول واقع المسرح الجزائري لتقديمها على شكل مداخلة في المؤتمر.
عندما ركبت السيارة رحت أفكر و أتساءل مع نفسي : لماذا تم اختياري ؟ و ما هو المطلوب مني ؟ و لماذا إيران بالذات ؟ و بدون الخوض في التفاصيل و الجزئيات ، عقدت العزم على ضرورة أداء المهمة بنجاح ، و حمدت الله على أنه يسر لي السبيل لتمثيل بلادي في مهمة رسمية خارج الوطن و لتكن إيران أو الصين أو بلاد الواقواق ، فنحن لسنا أحسن من شهدائنا و مجاهديناو أبطالنا الأبرار. و مثل المحارب الذي يتحسس سلاحه ، رحت أتحسس محفظتي لأطمئن على جهاز الكمبيوتر المحمول و على أوراق مداخلتي المكتوبة باللغتين العربية و الانجليزية ، و التي أنفقت شهرا من عمري في تحضيرها و تحبيرها لتكون جاهزة في اليوم الموعود ، و حمدت الله على أنني جاهز من كل النواحي العلمية و البروتوكولية للقيام بمهمتي في أحسن وجه.
و لم يوقظني من خيالاتي سوى صوت الصديق التونسي سامي نصري و هو يهمس لي مشيرا إلى الطريق السريع و إلى بعض البنايات الشاهقة في مد بصره قائلا : « ثوا بربي إيران دولة كبيرة معناها « فوافقته الرأي خاصة و نحن نرى الكثير من مظاهر التنمية و الرخاء كما نلاحظ الأمن و السلام حيث إننا لم نصادف في طريقنا أية حواجز أمنية و لا دوريات لحراس الثورة الإسلامية كما يزعمون ، فالفجر هادئ و المدى فضاء جميل لاستحضار قصص ألف ليلة و ليلة و تراتيل رباعيات عمر الخيام و السيرة الفارسية ، و عندما دخلنا مدينة طهران و توقفت بنا السيارة أمام فندق الفردوسي الجميل الذي يجمع بين الحداثة و الأصالة معبقابمظاهر التراث الفارسي الأصيل كالتصاوير و النقوش و التماثيل، كنت قد حزمت أموري استعدادا لمعركتي العلمية ، و عندما لاحظت أنني مقطوع الاتصال تماما عن بلادي لأن شريحتي هاتفي كليهما لا تعملان و لأن خدمة الفايسبوك على الانثرناث محجوبة تماما ، فقد تذكرت عبارة « لا مفر « على لسان جدي طارق بن زياد و هو يحرق سفن عودته ، فأنا مثله هاهنا في إيران ، قلمي مدية و لساني برهان.
صباح الخير طهران
لم أدر كيف نمت ليلتي في تلك الغرفة الفاخرة جدا حتى أنني لم أستيقظ إلا على صوت أحد المنظمين عبر الهاتف و هو يحثني على النزول للقاء مع الصحافة في صالون الفندق قبل تناول الغداء و الذهاب مع المشاركين في جولة سياحية إلى بعض المعالم الأثرية الفارسية مثل متحف قصر جلستان الشهير و المسرح الوطني في طهران لمشاهدة عرض مسرحي هناك ، و لم يستغرق الوقت طويلا حتى وجدتني في أحسن استعداد في مواجهة الصحفيين و المؤتمرين و المنظمين الذين رحبوا بي كثيرا خاصة بعدما علموا أنني مندوب وزارة الثقافة الجزائرية ، إذ الواضح أن الجزائر و التي يسميها الإيرانيون الجزيرة تحظى بمكانة خاصة في نفوسهم ، حتى أن الأمين العام للمؤتمر السيد مهدي شفيعي كان ينعتنيبعبارة « الجزيرة حبيبي « ، و الحقيقة فإنني في هذا المؤتمر الذي جمع الكثير من ممثلي وزارات الثقافة لعدد من البلدان الآسياوية و الإفريقية مثل باكستان و أفغانستان و أذربيجان و عمان و قطر و لبنان و العراق و سوريا و تونس و إيران ، قد شعرت أن الجزائر في القلوب ، و هذا بفضل رصيدنا الثوري و سياستنا الحيادية الحكيمة وسط عالم متصارع متناحر. و لذلك لم أجد أية صعوبة في التواصل مع المنظمين و الصحفيين لعدة اعتبارات تتعلق بوجود مترجمين مرافقين لنا ، كما تتعلق بهويتي الجزائرية المحبوبة لديهم بما فيها إسمي ، و بمطالعاتي الشخصية المقبولة حول الحضارة و اللغة الفارسية التي سبق و أن تعلمناها في جامعة قسنطينة حيث كانت مقررة علينا نحن طلبة الأدب العربي ، و قد لاحظت اهتمام الإعلام الإيراني بمعرفة ملامح المسرح الجزائري و دوره في مقاومة الاستعمار فزودتهم بالكثير من المعلومات التي استقيتها من كتابي المنشورين و هما: « المسرح الجزائري في ظلال الحركة الوطنية « و « المسرح الجزائري و الثورة التحريرية «.
أشهد أنني رأيت إيران بعيوني
لقد كانت عيناي ترصدان كل شيء من حولي داخل الفندق و خارجه بداية من ملامح الوجوه ، و شكل النساء الأنيقات الجميلات بخمرهن المحسورة عن مقدمة رؤوسهن مما يسمح بظهور بعض شعورهن الشقراء المفتولة المفتونة ، و لباس الرجال و النساءالذي بدا لي عصريا أنيقا ليس فيه أي مظهر من مظاهر التدين المتزمت ، إلى الحركة و لغط الكلام بعدة لغات ، و حتى الأفرشة و الزرابي الفارسية الفاخرة التصاميم و الألوان ، إلى الأطعمة المتعددة المتنوعة بالتوابل و البهارات بنكهات فارسية شهية ، و سرعان ما ألفت المكان و أهله ورحت أتصرف و كأنني في بلادي بين إخواني و خلاني. و قد زادت ألفتي بالمكان و أهله عندما زرت متحف قصر جلستان و عاينت عمق الحضارة الفارسية و أصالتها الضاربة في أغوار التاريخ و تذكرت ملوكهم و عزهم و كياسرتهمحتى أنني توقفت عند لوحة تصور معركة فارسية ضارية خلتها هي المعنية بقصيدة سينية البحتري المشهورة في وصف إيوان كسرى .و عندما زرنا المسرح الوطني في طهران هالني ما رأيت من ضخامة البناية ، و من كثرة الشباب ذكورا و إناثا منتشرين أمام بواباته و في ساحته الكبرى المحيطة به ، و على الرغم من أن الوقت ليل إلا أن الجمهور المسرحي الإيراني من الجنسين و من مختلف الفئات و منهم الأطفال حاضر بقوة مما يدل على أن الشعب الإيراني مدني متحضر يتذوق الفن و ينشده ، و قد تمتعنا بمشاهدة عرض مسرحي إيراني شيق يدين العنف و سفك الدماء و ينتصر لقيم الحق و الخير و الجمال ، و من المؤكد أنها رسالة إيرانية واضحة للعالم أجمع ، كما أنني علمت خلال تلك الجولة أن المسرح الوطني في طهران يضم عدة قاعات مجهزة بأحدث التقنيات الخاصة بالعروض الفنية ، و علمت أيضا أنه يوجد في إيران أكثر من ألف مسرح موزعة على مختلف المدن ، و قد ساعدت تلك المسارح و غيرها من المؤسسات الثقافية على تعزيز الهوية الإيرانية و توحيد الشعب الإيراني بتعداده 80 ثمانين مليون نسمة توحيدا وجدانيا و عقليا ، و تفعيل قدرته على مواجهة الحصار الذي ضرب عليه عدد سنين .
صوت الجزائر من طهران
انطلقت أشغال المؤتمر في اليوم الموالي 31 أكتوبر 2016 في وقتها المحدد ، و وفق برنامجها المسطر بدقة ، حيث التحق كل مندوب بمكانه المخصص خلف علم بلاده داخل قاعة المؤتمرات بالفندق ، و هي قاعة جميلة مستديرة الشكل مزودة بشاشة عرض و سماعات الترجمة الفورية ، و بعد أن أخذت مكاني في الوسط تقريبا بين ممثل العراق على يميني و ممثل لبنان على يساري ، بدأت مراسيم الافتتاح التي كانت قصيرة مختصرة ليفسح المجال لمداخلات المشاركين في حدود 10 عشر دقائق لكل متدخل يقدم ورقة تعريفية بمسرح بلاده ، و قد كان ترتيبي الثاني حسب البرنامج فقدمت ورقتي التي تناولت موضوع ملامح المسرح الجزائري و التي كنت قدأحضرتها معي باللغتين العربية و الانجليزية ، و وزعتها على وسائل الإعلام قبل إلقائها ، فكان صداها طيبا بين المؤتمرين حتى أن الكثير منهم راح يستشهد بما ورد فيها من معلومات و أفكار خاصة ما تعلق بمسألة الظواهر المسرحية في التراث الشعبي الجزائري كالقوال و الحلقة و خيال الظل و القراقوز ، و التي يبدو أنها تشكل مشتركا فرجويا بين أغلب البلدان المشاركة ، و قد أثنى الأمين العام للمؤتمر على فكرة إسهام المسرح الجزائري في مقاومة الاستعمار حتى أنه في اليوم الموالي و بمناسبة أول نوفمبر ، لم يتورع عن توجيه تحية تقدير باسم المؤتمر للشعب الجزائري الأبي في عيد ثورته المباركة .
و الحقيقة أن فعاليات المؤتمر قد سارت باحترافية عالية جدا حيث كل شيء مسطر مضبوط لا مجال فيه للارتجال و اللغو أو تضييع الوقت ، و هو ما مكن المشاركين من تقديم مداخلاتهم في المدة المحددة باستعمال جرس يضبط الوقت ، فأخذنا فكرة واضحة عن الحركة المسرحية في مختلف البلدان المشاركة ، كما قدمت لنا عروض وافية بالوثائق و الصور عن الحركة المسرحية في إيران ، و هي حقيقة حركة نشيطة تترجمها المسارح المنتشرة في شتى المدن و الأقاليم الإيرانية ، كما تترجمها المهرجانات المسرحية الوطنية و الدولية على غرار مهرجان فجر و كذا التميز المشهود للسينما و الدراما التلفزيونية الإيرانية مثل مسلسل « يوسف «و غيره .
إثراء مذكرة التفاهم لإنشاء هيئة مسرحيةمشتركة
تعد مذكرة التفاهم التي عرضت علينا في المؤتمر من أهم الوثائق التي ناقشناها و أثرينا بنودها على شكل اتفاقية تقضي بإنشاء هيئة مسرحية جامعة للدول المشاركة و مفتوحة لمن يرغب في الانضمام ، و من الطرائف التي حدثت بعد اتفاقنا على صياغة الاتفاقية بثلاث لغات هي الانجليزية ، الفارسية ، و العربية أن مندوب أذربيجان طالب بالتوقيع عليها بكل لغات الدول المشاركة أي نضيف اللغات الأذرية ، الباكستانية و الأفغانية ، فاحتج المندوب السوري و هو الفنان البرلماني زهير رمضان المعروف بدور « أبو جودت « في مسلسل باب الحارة ، و رأى في ذلك نيلا من كرامة اللغة العربية سيما و أن ممثليها 07 سبعة دول في المؤتمر ، إذ كيف تسوى اللغة العربية مع لغة أذربيجان ؟ و أمام هذه الصرخة القومية السورية ، لم يجد المندوب الأذري من بد سوى المطالبة بأن يتم التوقيع على الاتفاقية في نسختها الانجليزية فقط لأنها اللغة الأولى في العالم أجمع ، و لأننا نحن الجزائريين عرب أكثر من العرب فقد طلبت الكلمة و قدمت مرافعة مدوية عن اللغة العربية و أهلها ، و بالحجة و البرهان ذكرت أن اللغة الرسمية للمنطقة محل الاتفاقية هي العربية ، و أننا رضينا باللغة الفارسية لكوننا ضيوفا على إيران ، و رضينا بالإنجليزية لكونها اللغة العالمية الأكثر رواجا ، و لو شئنا استعمال ورقة اللغات الوطنية للدول المشاركة فلنا نحن أيضا عدة لغات وطنية دستورية كالأمازيغية في الجزائر ، و الكردية في العراق و غيرها ، فأفحمت الندوب الأذريو أعانني عليه موافقة الأمين العام للمؤتمر و تصفيقات أشقائي العرب و ثنائهم على كلامي ، حيث خاطبني المندوب السوري بقوله : « هذه هي الجزائر العزيزة « ، و قد أبلغني المندوب العماني فيما بعد أن المخلوق الأذري قد انزعج من ردة فعلي القوية لكنه ربت على كتفي قائلا : « يا أخي أنتم الجزائريون عندكم حرارة صادقة « ، فتذكرت جدي طارق بن زياد و ترحمت عليه و قررت القيام بجولة سياحية مسائية لوحدي في مدينة طهران.
مساء الخير طهران
خرجت من الفندق و رحت أتمشى وحيدا في اتجاه ساحة الفردوسي ، و قد خيم المساء على طهران ، و بدأ الليل يغشى المدينة الصاخبة بحركة السيارات و الدراجات النارية الضخمة و المتسوقين أمام واجهة المحلات المضاءة ، كنت أسير و أنا أراقب القادم و الغادي : رجال و نساء و شباب من الجنسين يسيرون بهدوء في مدينة سالمة آمنة ، و كلما سألت واحدا منهم إلا و دلني بهدوء و ابتسامة مستعملا لغة الإشارات مرة وباستخدام كلمات انجليزية مكسورة أكثر من انجليزيتي طورا ، و الحقيقة أنني لم أشعر بتاتا بالخوف أو الغربة ، بل العكس فقد أحسست أن هذه المدينة أعرفها و تعرفني و أحبها و تحبني ، فهي مدينة من طراز عالمي كل ما فيها ينبض بالحياة و النشاط و الحيوية ، و أهلها كرماء مضيافون يحتضنون الغريب و يساعدونه ، فقد ولجت عدة محلات بأحد الشوارع التي تبيع الأحذية الجلدية ، و كلما دخلت محلا إلا و هب أصحابه لخدمتي بمودة عارمة و كلما عرفوا أنني جزائري إلا و ازدادوا ترحابا بي فالجزيرة عندهم مرتع الرجولة و الأنفة ، و على الرغم من الحصار الاقتصادي إلا أن السوق الإيراني عامر بالسلع و البضائع أكثرها محلي الصنع و لكنه جيد الطبع ، فاشتريت حذاء جلديا رائعا متبركا بالخطوات الفارسية المملوءة بالكبرياء و التحدي ، و عند ساحة الفردوسي أذن لصلاة العشاء فأصغيت جيدا لكلمات الأذان فوجدتها بنفس الكلمات المستعملة عندنا في الجزائر مع إضافة عبارة واحدة في الختام تقول : « اللهم صل على محمد و على آل محمد الطاهرين «. ليس فيه سب للصحابة رضوان الله عليهم و لا شتم السيدة عائشة أم المؤمنين و لا تقديس لعلي كرم الله وجهه و لا بكاء على الحسين رحمه الله كما يزعمون ، و في طريق عودتي لم أتمالك نفسي عن التفكير في دور الصهيونية العالمية في تغذية هذه الفتنة المذهبية التي صارت تعصف بالمسلمين ففرقتهم إلى سنة و شيعة يتناحرون و من حولهم الكلاب تتداعى عليهم كما تتداعى على قصعتها ، و كمن يحلم رحت أمشي و أحلم بمصالحة سعودية إيرانية تنهي هذه الفتنة الطائفية و المأساة المذهبية ليعيش المسلمون في هناء و أمان بعيدا عن أحقاد التاريخ و الفتن الموروثة عن الماضي التعيس ، فنحن أبناء القرن الواحد و العشرين و ليس من حقنا أن نظل مسجونين في ميراث الفتن الدينية الغابرة .
التوقيع على الاتفاقية و القيام بجولة توديعية
كان حفل التوقيع على الاتفاقية صبيحة يوم 01 نوفمبر 2016 رسميا بهيجا مزدانا بالأعلام الوطنية للدول المشاركة ، و ذلك داخل إحدى القاعات الفسيحة الجميلة المخملية البساط ، و قد سرني أن العلم الجزائري وضع في الوسط تماما بجانب العلم الإيراني ، حيث أخذت مكاني إلى جانب الأستاذ مهدي شفيعي ، و رحت أوقع على مختلف النسخ الأصلية باللغات الثلاث و بعدد المشاركين ليأخذ كل واحد منا ثلاث نسخ أصلية ، بينما كانت وسائل الإعلام المختلفة تلتقط الصور و تسجل التصريحات و الانطباعات ، و قد كانت وجوه الجميع مستبشرة كمن يخرج من معركة مظفرا ، فكنا نبتسم و نتبادل التهاني و التعليقات ، ثم اتفقنا على القيام جميعا بجولة توديعية لإيران بعد الغداء ، حيث اكترينا سيارة نقل جماعي كبيرة تطوع المندوب القطري بدفع أجرتها و رحنا نسيح في مدينة طهران مستكشفين و متسوقين لشراء بعض الهدايا و الحلويات الشعبية الإيرانية و ما أكثرها و أحلاها شكلا و مضمونا ، حيث اقتنينا منها جميعا ما لذ و طاب ، و لم نغفل عن زيارة بعض المعالم الكبرى مثل برج طهران المعروف باسم برج الميلاد ، و هو أعلى برج في إيران حيثيبلغ طوله 435 مترا ، وقد شيد لعدة أغراض أهمها تقوية البث الاذاعي والتلفزيوني وتحسين خدمتي الاتصالات والإنترنت، ويضم شبكة اتصالات ومطاعم وفندق من فئة 05 خمس نجوم .
و قد لاحظت خلال تلك الجولة أن طهران مدينة ضخمة جدا يصل عدد سكانها إلى 15 خمسة عشر مليون نسمة ، و أنها مدينة تجمع بين الأصالة و المعاصرة ، ففيها الكثير من المعالم الأثرية الفارسية القديمة كالمتاحف و القصور ، كما توجد بها مرافق عصرية و منجزات حضارية كالطرقات السريعة الواسعة و المباني الضخمة و السكنات الفخمة ، و يعد ميترو طهران الذي يربط أجزاء المدينة بأربعة مسارات بطول 152 كلم و بمجموع 85 محطة لنقل 3 ثلاثة ملايين راكب يوميا – يعد- مدينة كاملة تحت الأرض .
فصل الختام
استمتعت كثيرا برحلتي الإيرانية ، و استفدت أكثر من لقاءاتي ، محاوراتي ، و مشاهداتي ، و عندما ركبت الطائرة التركية عائدا إلى اسطنبول و منها إلى الجزائر ليلة 02 نوفمبر 2016 لم أتوقف عن التفكير في قدرة الإعلام على تشويه الإنسان ، الشعوب ، و البلدان ، فصورة إيران قبل زيارتها في ذهني كانت صورة مخيفة لأمة متدينة متزمتة متطرفة عنيفة ، بينما إيران التي شاهدتها و عاينتها هي أمة متحضرة منسجمة مع هويتها متحدة خلف قيادتها زادها الحصار قوة و إرادة و إبداعا في البضائع و الصنائع ، و من جديد عاودني حلم المصالحة بين الدول الإسلامية بعيدا عن ضغائن المذاهب و فتن التاريخ ، قلت في نفسي : إن الله قد عزز عرى الأمة الإسلامية بالعنصر الفارسي حتى بلغت ذروتها في العصر العباسي ، و تطورت الحضارة الإسلامية كثيرا بفضل مساهمات العلماء المسلمين من أصول فارسية ، فما للمسلمين اليوم لا يستفيدون من حكمة التاريخ ؟ مالهم متفرقين متناحرين مشتتين يقتل بعضهم بعضا ؟ و يتحالفون مع أعدائهم الصهاينة ضد إخوانهم من بني جلدتهم و ملتهم ؟ لقد أعيتني الأسئلة و أغرقتني ، فحاولت الهروب منها بمشاهدة فيلم سينمائي مما هو معروض أمامي في كرسي الطائرة ، و دون قصد استهواني فيلم « العائد the revenant « من بطولة الممثل العالمي ليوناردو ديكابريو ، فرحت أتسلى بمشاهدته و التمتع بمصارعة بطله الذي تخلى عنه رفاقه بأحد الجبال الثلجية و هو جريح بين الحياة و الموت ، لكنه يصارع الجراح و قهر الطبيعة القاسية جدا ، كما يصارع الجوع و البرد و مطاردة الوحوش و الأعداء في مشاهد مرعبة ، لكنه في النهاية يواصل طريقه حتى يصل إلى بر الأمان و ينتصر على عدوه اللدود.
و في انتظار المصالحة السعودية الإيرانية التي أحلم بها وحدي ربما ، ها هي إيران قد عادت في نفسي -على الأقل - إلى برجها العاجي و صمدت في وجه الظلم ، التشويه ، و الحصار ، و هذا في انتظار عودتها إلى مقامها الزكي في أمتنا الإسلامية .
و عندما عدت إلى الجزائر ، التقيت مع وزير ثقافتنا الهمام السيد عزالدين ميهوبي في مكتبه بالوزارة و قدمت له تقريرا مفصلا عن مهمتي في إيران ، كما قدمت له كل الوثائق المتعلقة بالمؤتمر و منها الاتفاقية الموقعة ، كما أخبرته بالمكانة العالية جدا التي تحظى بها الجزائر في إيران و بين كل الدول المشاركة في المؤتمر ، فنحن بالفعل شعب محبوب من قبل الجميع .
ملاحظة
لقد أنجزت مهمتي في إيران دون أن أتقاضى فلسا واحدا لا من الطرف الإيراني و لا من الطرف الجزائري ، و قد دونت رحلتي لعلها تفيد أمتي الإسلامية ، فاللهم اجعلها في ميزان حسناتي .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.