وزير الخارجية الموريتاني يزور الجزائر    وزارة الدفاع: توقيف مهرب وتوقيف 71 مهاجرا غير شرعي بتمنراست، تلمسان وغليزان    تشافي يفتح النار على مارادونا بسبب ميسي ويطمئن الأرجنتينيين    أمن الشلف يلقي القبض على مزوري الوصفات الطبية    للمخرج الجزائري مرزاق علواش: "ريح رباني" في منافسة أيام قرطاج السينمائية ال29    الخليفة العام للطريقة القادرية في زيارة للجزائر شهر نوفمبر القادم    إدارة البايرن تثور وتحسم موقفها من إقالة كوفاتش    أسعار النفط ترتفع إلى 80 دولارا للبرميل    ارتفاع اسعار الكتب في معرض الجزائر الدولي للكتاب لاول مرة !!!    حجز سيارات وأجهزة كشف عن المعادن وأدوية بتمنراست    في لقاء جهوي بتلمسان: المشاركون يوصون بضرورة التزام أعضاء الهيئة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات بمبدأ الحياد    الإعلاميين الجزائريين في الخارج طاقات يجب إستغلالها    بومرداس : التوقيع على اتفاقيات شراكة بين الوكالة الولائية للتشغيل وعدد من الهيئات    عاصفة مغناطيسية تضرب الأرض اليوم.. وخبراء يحذرون: عواقبها كبيرة .. والحل في الأيس كريم    هذه هي شروط الإقلاع بالاقتصاد الوطني .. !    استراتيجية جديدة لتسيير النفايات : نحو إعطاء مكانة أكبر للمتعاملين الخواص    باريس الأكثر جذباً للسياح في العالم و «باريير لو فوكويت» عنوان للعراقة والأناقة    تيسمسيلت: الدعوة إلى استحداث مخابر بحث تعنى بالمخطوطات الجزائرية القديمة    تركيا تنفي تقديم أي تسجيل صوتي لبومبيو أوغيره    توقيف قاتل مؤذن في الأغواط    زلزال يضرب إقليم بابوا بإندونيسيا    يوسفي يلتقي سفير سويسرا    الجزائر ترافع للارتقاء بأسواق العمل العربية    الحكومة تقرّر منع النقاب في الأماكن العامة    القرني : لن نسكت على المتربصين بالسعودية    مشروع يكثّف ضوء القمر لإنارة شوارع الصين    أمطار رعدية مصحوبة بهبوب رياح على عدد من ولايات غرب البلاد    الحرائق تتلف قرابة 2.239 هكتار خلال الفترة ما بين 1 يونيو و17 أكتوبر    نحو إطلاق تطبيق رقمي من اجل إشراك المواطنين في حماية البيئة    50 ألف جزائري … ضحايا للسرطان في كل سنة    غرف الدردشة.. خيانة دون شهود وجريمة بلا عقاب    سَيرُّوا و سَدُّدُوا فواتيركم بكل آمان    الجزائر- روسيا: سبل تعزيز التعاون بين شرطة البلدين    لهذا السبب إختارت النصرية ملعب 5 جويلية    بن قرينة يدعو لفتح صفحة جديدة مع فرنسا    الأمير عبد القادر يعود إلى صالون الكتاب الدولي    لجنة الشؤون القانونية للمجلس الشعبي الوطني تثبت حالة شغور منصب رئيس المجلس    الاتحاد الأوروبي يؤكد دعمه لحل يضمن حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير    مساهمون في “فيسبوك” يطالبون بتنحي زوكربيرغ    مغترب في الدوري الهولندي يرغب في تمثيل الخضر..    هيجوايين: جوفنتوس أجبرني على الرحيل    ردنا على قضية إختفاء خاشقجي سيكون محل بحث    رسالة هوكينغ الأخيرة إلى الإنسانية    عطال يطلب الدعم من الجزائريين    البقاء في ريال مدريد مهمة صعبة على المدربين الإسبان    ترامب يتوعد بغلق الحدود مع المكسيك وإرسال الجيش    لجنة الانضباط تعاقب رئيس اتحاد بسكرة لمدة 6 أشهر    انطلاق التسجيلات الخاصة بموسم حج 1440ه / 2019م    إصدار طابع بريدي للصحفي المحترف    الأمير عبدالقادر وتجربة الحكم والإمارة    تسجيل 151 حالة إصابة بمرض التهاب الكبد الفيروسي    منذ مطلع‮ ‬2018    28 ألف بطاقة أخرى جاهزة تنتظر الطلبة    * تراث منطقة أدرار ألهمني في كتابة القصيدة الشعبية *    إبراهيم سكال يبهر الجمهور في مغامرات سحرية    عون الله لأحبابه    كى تنعم بدار البقاء فلابد من الاستعداد للبلاء    مثل ابن آدم وإلى جنبيه تسعة وتسعون منيةً    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الأحزاب والانتخاب : مرور الحدث وبقاء الواقع
نشر في الشعب يوم 15 - 05 - 2012

أعلنت الداخلية عن نتائج الانتخابات التشريعية بعد ترقب واسع نظرا لحساسية المشهد السياسي الجزائري وتميزه في المنطقة العربية. وفي يوم إجراء الانتخاب طلب مقابلتي السيد "دايفيد أوتاواي" من "مركز وودرو ويلسون" الدولي للدراسات ومقره في واشنطن وسألني سؤالا محددا وسط أسئلة أخرى تخص توقعاتي بشأن نتائج الاستحقاق. السؤال كان عن حظوظ فوز التيار الاسلامي وعن امكانية تكرار مشهد الربيع العربي في الجزائر. ولحسن حظي أن السؤال كان سهلا، خاصة وأن المقابلة كانت دقائق قليلة بعد مشاركتي في البرنامج التلفزيوني المفتوح على قناة خاصة حول الموضوع. أجبته بكل وضوح ولكنه أبدى اندهاشا واسعا وكاد ألا يصدق ما أجبت به.
الإسلاميون الوطنيون في المرتبة الثالثة
أجبت السيد دايفيد بنفس إجابتي لمنشطة البرنامج المفتوح: ستأتي الأحزاب الاسلامية مجتمعة في الرتبة الثالثة بعد حزب جبهة التحرير الوطني أولا، ثم التجمع الوطني الديمقراطي ثانيا. أما عن حظوظ هذه الأحزاب فالسقف في توقعاتي لا يتجاوز ال 25 بالمائة وربما أقل قليلا. أعاد السيد دايفيد السؤال مندهشا وقال لي هل أنت متأكد؟ قلت نعم. قال ولكن هذا يخالف الاتجاه الانتخابي في دول الربيع العربي وكنت أتوقع العكس أي أن يحتل الاسلاميون في الجزائر المرتبة الأولى، ثم زاد على ذلك قائلا: هذا ما سمعته من زعماء هذا التيار خلال الحملة الانتخابية. أكدت له جوابي وقلت له: غدا الجمعة تابع الاعلان الأولي عن النتائج، قال: أية ساعة قلت له صباحا حوالي العاشرة.
وأعلنت النتائج الأولية ولم تصل علامة المسؤول عنهم من قبل مركز الأبحاث الأمريكي إلى مستوى ال 25 بالمائة وتوقفت عند مستوى 13 بالمائة، ولكني أخطأت في تقدير واحد وهو توقيت إعلان النتائج، ولا أظن أن السيد دايفيد يولي كبير عناية لهذا الخطأ في التقدير بقدر ما يثمن توقعاتنا بشأن الدور المستقبلي للتيار الاسلامي في الجزائر في رسم التوازنات السياسية وأثر ذلك على مستقبل العلاقات الأمريكية العربية من جهة والأمريكية الشمال افريقية من جهة ثانية. فماذا تعني نتائج انتخاب أول برلمان جزائري سيشرع في العمل في نصف القرن الثاني من تاريخ استقلال البلاد؟
الصامتون عن الانتخاب : الفائز الأكبر
قالت الأحزاب أغلبها بأن الانتخابات مزورة وغير نظيفة، فقط أحزاب الصف الأول والثاني رضيت بالنتيجة ومعها جبهة القوى الاشتراكية وحزب عمارة بن يونس. موقف الأحزاب هذا له ما يبرره من وجهة نظر كل طرف ولكن الأكيد أن الحقيقة الانتخابية موجودة في حيزما ولحسن الحظ أنه يمكن الكشف عنها ولو بعد حين.
فالرافضون للنتائج يتهمون الإدارة بالتحيز بناء على معطيات عدة منها : تطور نسبة المشاركة منذ الساعة 10 صباحا والتي لا تبدو معقولة بالنظر إلى المشاهدات الميدانية، نتيجة فوز حزب جبهة التحرير الوطني والتي هي الأخرى لا تبدو معقولة بالنظر إلى الوضع المتأزم داخل الحزب وإلى نتائجه عند الانتخابات السابقة، الخروقات التي شابت العملية الانتخابية في عدد من مراكز الاقتراع، وأخيرا فهم خطاب رئيس الجمهورية عشية الانتخاب والذي ساق المعبرين عن أصواتهم للتصويت على حزب بعينه.
والراضون بالنتيجة يعتبرون الشعب سيدا وهو الذي صوت لصالحهم لأسباب عدة منها : ضعف القدرة التنافسية للأحزاب المنافسة، غياب البرامج القوية لديها، حاجة الشعب الجزائري إلى ملاذ حزبي آمن في ظل التحديات الاقليمية والدولية، تمكن الأحزاب الفائزة من خطاب واقعي ومن تجربة تاريخية في الحكم.
والحقيقة الأولى التي يجب أن يعترف بها الجميع هي أن انتخابات 10 ماي لم تستقطب للتعبير أكثر من 7.5 مليون صوت حسب تصريحات الداخلية ما يعني 34 بالمائة من مجموع المسجلين للانتخاب وعددهم 21.6 مليون أي أن 66 بالمائة من هؤلاء المسجلين لم يختروا ممثليهم في البرلمان، وهو رقم مهم لا يسمح لنا بتحديد الفائز من المنهزم من وجهة النظر السياسية ولو أن المحدد الرقمي للتصويت يصب في صالح القطب الوطني الوطني.
والحقيقة الثانية، أن الطبقة الصامتة عن التصويت أو التعبير هي نفسها الطبقة المديرة للعملية السياسية عندما يتعلق الأمر بالانتخاب لأنها ساهمت بقوة في صنع النسب، وهي في حالتنا تتفوق على جميع الأحزاب وعلى الإدارة أيضا وصمتها وهي بذلك الحجم يفرض على الجميع الصمت لأن لا حزب استطاع أن يستقطبها لصالحه، وبالتالي لا تيارا سياسيا نجح في فرض تمثيله الشعبي.
والحقيقة الثالثة، أن القطب الوطني الوطني استطاع الحفاظ على وعائه الانتخابي وزاد عليه كثيرا مستفيدا من محتوى قانون الانتخابات في تحديد النسب، ومن صمت الطبقة الصامتة التي لم تتمدد فيه، وتمددت في الأحزاب المنافسة، مما يؤكد ما ذهبنا إليه سابقا عندما اعتبرنا المعارضة الجزائرية معارضة ضعيفة المحتوى الاجتماعي.
والحقيقة الرابعة، أن القطب الوطني الاسلامي ضيع نقاطا كثيرة عندما غاب اجتماعيا وسياسيا كبديل معارض لفترة طويلة ولم يستثمر أبدا في الطبقة الصامتة، وزاد على ذلك أنه لم يتح لمناضليه فرصة التداول على الممارسة السياسية وظلت وجوه الصف الأول نفسها لم تتبدل حتى خيل للرأي العام أنه يسلك نفس سلوك السلطة ولكن دون جدوى.
والحقيقة الرابعة، أن القطب الوطني الديمقراطي استفاد كثيرا من انضمام جبهة القوى الاشتراكية وحزب عمارة بن يونس وأداء المستقلين على قاعدة التجديد في الممارسة الحزبية ووضوح الخطاب السياسي والتجربة الجديدة.
والحقيقة الخامسة، أن النخب الحاملة للوعي السياسي ظلت على الهامش لأن الأحزاب لا تفضلها بين صفوفها بحكم رؤيتها النقدية للأفكار، ولأنها هي نفسها لا ترى في الطبقة الحزبية الجهة الأنسب للتغيير بحكم أدائها الضعيف في مجال الأفكار عكس ما هو الحال إذا تعلق الأمر بالأشخاص أو الرموز التاريخية أو الأموال.
مشكلات الجزائر أكبر من الحزب والأحزاب
ومجموع هذه الحقائق يخلص بنا إلى أن رأي الناخب الجزائري لم يتبلور خلال استحقاقات 10 ماي بالشكل الكافي، وأن النتائج جاءت محصلة لرأي عينة منهم ترى في القطب الوطني اللاعب الأساسي ليس لأنه الأقوى ولكن لأن منافسيه أبدوا ضعفا واضحا في قيادة المعارضة، خاصة وأن جميع اللاعبين يشتركون في نفس القيم السياسية أي: الوطنية والاسلام والديمقراطية. حيث لا قطب يزايد على آخر في تلك القيم التي هي نفسها قيم الشعب الجزائري برمته. استنتاج يقترب كثيرا مع ما عناه عميد الدبلوماسية في العالم السيد "ألان بلانتي" عندما كتب في مؤلفه "السياسة بين الدول" طبعة 1998 ، ترجمة نورالدين خندودي، ص 448 : السياسة لا يمكن أن تعد حسب الظروف العادية وحدها، فالشعب السيد الذي يستشار بديمقراطية يختار قادته من دون أن تكون الضرورات المستعجلة حاضرة في ذهنه ، ويحدث الخطأ والخلل عندما لا يسمح عدم استقرار الأغلبيات البرلمانية أو رداءة النخب السياسية بتحمل القادة لمسؤوليات الأزمة.
يبدو لي أن توسيع آليات الممارسة الديمقراطية خارج الأطر التقليدية بات ضروريا، وأن المشهد الجزائري يفترض استحداث آليات أكثر تطورا لإشراك الكفاءات والنخب في مهام التشريع. فالجزائر بهموم التنمية لديها والملفات الاستراتيجية التي تنتظرها أكبر بكثير من قدرات الأحزاب والأسر السياسية مجتمعة، مما يدفع إلى إشراك الجميع في مهام: الاستشارة والتشريع والتخطيط والتنفيذ، والمطلوب من الأحزاب كلها ضبط لوائح نشاطها على سلم الحكمة والفعالية والديمقراطية الداخلية والعدل في انزال القيادات منازلها والسمو بمواقفها إلى مصلحة الوطن عاليا عاليا فوق مصالح الأشخاص والعصب وغنائم السياسة المادية وقبل هذا وذاك على سلم سنن اللّه في التغيير الاجتماعي.
وتظل الطبقة الصامتة الساحة الأنسب لاختبار أداء تلك الأسر الحزبية للمرحلة القادمة في الاتجاه المطلوب، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.