أحمد محمود خونا انتشر في الجزائر منذ عقدين من الزمن تقريبا الحديث المكرور عن (المرجعية) وعن ضرورة احترامها وتمثّل قيمها، فما أصل هذا المصطلح؟ وما علاقته بفقهنا الأكبر الذي نتحدث عنها؟ لا يخفى أن المصدر الميمي لهذا المصطلح قد تولّد من جذر لفظ (رجع) وهي تعني مكان الرجوع والمثابة. ونجد اليوم هذا الاصطلاح أكثر انتشارا في الخطاب الديني الشيعي، لأن أصحابه درجوا على تسمية الفقهاء والعلماء (بالمراجع الدينية) باعتبار رجوع الناس إليهم في شؤونهم الدينية وغيرها. وهذا المعنى من هذه الجهة معتبرٌ بشروطه عند كل طوائف المسلمين، وبهذا أصبحت (المرجعية) فرعا من فروع (الحاكمية) التي سبق الحديث عنها، لأنها صارت حينئذ تعني (الجهة) أو(الإطار) الذي يؤطر حياة الناس ويحكم على تصرفاتهم فيها. والقرآن الكريم لم يستعمل هذا الاصطلاح بلفظه هذا ولكنه استعمل ألفاظا أخرى دالة على نفس المفهوم، ومن تلك الألفاظ (الإمام والأئمة)، و(ولاة الأمر) أو(أهل الاستنباط) ومثيلاتها، مصداقا لقوله تعالى ((قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً)) وقوله ((وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً)) وقوله أيضا ((وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)) وقوله ((وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا))…ونحوها. والمتأمل في ((بيان أول نوفمبر)) يجد أنه قد حدد الإطار المرجعي للدولة الجزائرية في بنده الأول ((إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية)، فالمبادئ الإسلامية هي إطارنا المرجعي الأساس، ولكن ثلاثيات (العقد الأشعري والفقه المالكي والتصوف السني) قد أسهمت في تمتين شبكة علاقات المجتمع الجزائري وتعزيز وحدته الوطنية وعليه فقد أصبحت هي المقصود بالمرجعية. كما تعتبر (حلقة العزَّابة) هي الهيئة المرجعية الأساسية القديمة في المذهب الأباضي (العقدي منه والفقهي)، بحيث تشرف إشرافا كاملا على شؤون المجتمع سواء منها الدينية، أو التعليمية، أو الاجتماعية، أو حتى السياسية.