يواصل سوق "طونجة" ببلدية الخروب بولاية قسنطينة، حضوره اليومي كأحد أعرق الفضاءات التجارية الشعبية. غير أن وتيرته تتضاعف مع حلول شهر رمضان، حيث يتحول إلى نقطة جذب أساسية لسكان البلدية، وحتى القادمين من البلديات المجاورة. فمنذ ساعات الصباح الأولى تنطلق الحركة داخل هذا الفضاء المفتوح الذي يضم طاولات للعرض، ومحلات صغيرة ودكاكين ومقاه، قبل أن يبلغ الحراك التجاري ذروته كلما اقترب موعد الإفطار، في مشهد يعكس مكانة الأسواق الشعبية بقسنطينة خلال الشهر الفضيل. وتلعب هذه الأسواق دورا محوريا في إنعاش المبادلات التجارية، إذ تجد فيها العائلات ضالتها لاقتناء مختلف السلع المرتبطة بالمائدة الرمضانية، في ظل بحث دائم عن أسعار معقولة، وتنوع يلبي الاحتياجات اليومية، حيث شكلت هذه الفضاءات الشعبية بالنسبة للكثيرين، خط دفاع في وجه محاولات الاستغلال، التي تبرز عادة مع دخول رمضان. فرغم الجهود التي تبذلها الجهات المعنية لضبط السوق وضمان وفرة المواد الأساسية، يظل السوق الشعبي خيارا مفضلا بفضل مرونته، وأسعاره المقبولة مقارنة ببعض الفضاءات التجارية الأخرى. ويقع سوق طونجة بأحد أقدم أحياء الخروب، الحي الذي كان يُعرف سابقا باسم "هدنة"، نسبة إلى مالك الأرض التي شُيد عليها ما بين سنتي 1956 و1957، ليتحول الشارع الرئيسي الذي يقسم الحي إلى قسمين وعلى مر السنوات، إلى فضاء تجاري مفتوح بعدما استُغلت بعض البنايات كمحلات ودكاكين، فيما امتدت طاولات الخضر والفواكه على طول الرواق الذي يفوق 400 متر؛ إذ أكد أحد السكان القدامى أن الحي لم يكن يضم في ستينيات القرن الماضي سوى محل أو محلين إلى غاية ثمانينياته، ما يبرز حجم التحول الذي شهده المكان. ومع مرور الزمن أصبح السوق جزءا من يوميات الخروبيين. لكن شهر رمضان يمنحه طابعا خاصا، إذ تنتعش فيه المهن الموسمية المرتبطة بعادات الاستهلاك الرمضانية، حيث يقبل الباعة على عرض المأكولات الشعبية والحلويات التقليدية والخبز بأنواعه، والمخللات، والمقبلات، والمملحات المختلفة، في مشهد يعكس نمط الاستهلاك الذي يميز هذا الشهر. كما تُعرض هذه المنتجات بأسعار أقل من تلك التي تفرضها بعض المطاعم والمتاجر، التي تلجأ إلى رفع الأسعار بشكل يتجاوز قيمتها الحقيقية. ورغم بساطته يضطلع سوق "طونجة" بدور اقتصادي واجتماعي مهم، إذ وفر لعدد معتبر من الشباب، فرصة للاسترزاق في فضاء يُعد جزءا من ذاكرة المنطقة. فبالرغم من انتشار نقاط تجارية جديدة ومراكز ومولات كبرى بالخروب، ظل السوق صامدا إلى حد الساعة أمام متغيرات الزمن، محافظا على حضوره الاجتماعي والتجاري، حيث يقصده الصغير والكبير للشراء والبيع، وحتى للتجول لساعات قبل الإفطار. ويزداد عدد الباعة خلال رمضان بين تجار دائمين وآخرين موسميين، قدموا من مناطق مختلفة لعرض سلعهم، واستقطاب الزبائن بوسائل تسويقية بسيطة، إذ تتنوع الأعمار خلف الطاولات من شيوخ وكهول إلى شباب وحتى أطفال يبيعون القصبر والبقدونس، يأتون بعد خروجهم من المدرسة أو في أيام العطلة، حيث يجلبون هذه المنتجات، حسب تصريحهم، من فلاح بالبلدية. كما وجد شباب آخرون في السوق مخرجا من البطالة، فعرضوا سلعا موسمية لقيت رواجا خاصا؛ مثل "الشاربات" و"البيتزا" و"البوراك".. وغيرها، متّحدين الظروف لكسب قوتهم بالحلال. ومن جهة أخرى، تتصدر الطاولات المغطاة بالمظلات أطباق جاهزة تستقطب الصائمين، على غرار "البوراك"، و"الدوبارة"، والبيتزا التقليدية، و"قلب اللوز"، و"الكسرة" بأنواعها، و"الرغدة"، والدجاج المشوي على الجمر، والعصائر الطبيعية. ويحرص الباعة على تنسيقها بطريقة جذابة تنبعث منها روائح تفتح الشهية، فتتشكل طوابير أمام الحلويات الأكثر استهلاكا مثل "الزلابية"، و"الصامصة"، و"صباع لعروسة" المشهورة لدى الخروبيين. كما يقصد زبائن من خارج المدينة السوق لاقتناء "الفوندا"، و"الكاوكاوية" و"النوقا".. وغيرها من الحلويات التي يؤكد الزائرون أن إتقانها يظل حكرا على صانعين من المنطقة. ويبقى ما يميز سوق "طونجة" إلى جانب حركيته التجارية، تلك العلاقة المتينة بين التجار وزبائنهم، علاقة وفاء امتدت لسنوات طويلة، حيث يحتفظ كثير من الباعة بزبائن أوفياء يعودون إليهم كل رمضان، في صورة تؤكد أن السوق ليس مجرد فضاء للبيع، بل حكاية مكان صمد أمام التحولات الحديثة، وظل محتفظا بروحه الشعبية، ومكانته الخاصة في وجدان سكان الخروب.