حرس الثورة الايراني : " سنرد إذا نفّذ ترامب تهديده بالاعتداء على محطات الطاقة"    فتح المنصة الرقمية لإيداع البرامج التقديرية للمستوردين إلى غاية 30 أفريل 2026    الجزائر تحتضن الصالون الدولي للاستثمار بوهران... رهان على تنويع الاقتصاد وجذب الشراكات    نهضة منجمية تقود الجزائر نحو تنويع اقتصادي استراتيجي    الجزائر والنيجر تعززان شراكتهما الاستراتيجية... آفاق واعدة للتكامل والتنمية المشتركة    تقلبات جوية عبر عدة ولايات: أمطار رعدية ورياح قوية وزوابع رملية    مبادرة بيئية رائدة: اختتام حملة وطنية لفرز القارورات البلاستيكية وترسيخ ثقافة التدوير لدى الناشئة    النعامة تحتضن ملتقى وطنيًا حول "إيديولوجيات الاستعلاء والمسرح"... قراءة فكرية في عمق الإبداع المسرحي    إسقاط النظام أو حماية المضيق..؟!    شاهد آخر على بشاعة جرائم الاستعمار الفرنسي    حجز قرابة 11 قنطاراً من السموم القادمة من الحدود المغربية    يتلقى تهاني مسعد بولس بعيد الفطر المبارك    خنشلة : توقيف شخصين تورطا في قضية سرقة    تساقط أمطار غزيرة تصل إلى 30 ملم    المجاهد السبتي بودوح في ذمة الله    أعوان الرقابة يتابعون مدى التزام التجار بنظام المداومة    خرجة ميدانية لمراقبة مداومة التجار ببريكة في عيد الفطر 2026    اهتمام متزايد للمتعاملين بالاستثمار في موانئ النزهة    وزير الأشغال العمومية، جلاوي، يترأس اجتماعا تنسيقيا    الفريق أول شنقريحة يهنئ مستخدمي الجيش الوطني الشعبي    في إطار إحياء شهر التراث..ملتقى وطني حول رقمنة التراث والابتكار الثقافي    لغاية 18 أفريل المقبل..فتح باب الترشح للطبعة الثامنة للجائزة الكبرى آسيا جبار للرواية لسنة 2026    بمناسبة الذكرى ال 64 لعيد النصر..بلمهدي يشرف على يوم دراسي بعنوان "من ذاكرة المجد إلى آفاق النصر"    بموجب مرسومين رئاسيين وقعهما رئيس الجمهورية..الإفراج عن 5600 محبوس بمناسبة عيد الفطر    تقوية الروابط بالإحسان والمودة والتضامن    مليون و65 ألف مترشح لمسابقة توظيف الأساتذة    التزامات الرئيس تبون بدعم دول الجوار تتجسد في الميدان    المصادقة على التعديل التقني للدستور بعد غد الأربعاء    عودة حذرة لبن ناصر استعدادا لكأس العالم    وكيل حاج موسى يحدد مستقبل اللاعب خارج هولندا    أزمة نقل حادة في انتظار حلول جادة    طريق نحو عين طاية وثلاث محطات قطار جديدة    ارتياح كبير لوفرة السيولة المالية عشية العيد    دخول الحرب مرحلة محفوفة بالمخاطر    انتقادات جديدة لبدر الدين بوعناني في ألمانيا    موعد لتمتين العلاقات العائلية    كثرة الإنتاج التلفزيوني إيجابية لكنها لا تعني الجودة    معركة إيزمورن 1957.. ملحمة بطولية جسدت صمود مجاهدي الثورة التحريرية    أكبر فضيحة كروية إفريقية    ريال مدريد يُقصي السيتي    هكذا نستقيم على الطاعة بعد رمضان..    أنشطة للأطفال بين المطالعة والقيم الرمضانية    إسدال الستار على "رمضانيات"    الاستعمار الفرنسي انهزم مرتين.. بقوة السلاح وبقوة الاختيار    المقاومة المستمرة ضمان لدروب الحياة الآمنة    هل تبخّر حلم المشاركة في المونديال؟    هكذا كان صحابة رسول الله يحتفون بليلة العمر    بحث تزويد النيجر بالأدوية واللقاحات    الجزائر" المحروسة" تحتفي بصغار الحفظة وبراعم التفسير    قائمة ب500 تسمية دوائية ضرورية    ما شعورك وأنت تودع رمضان الكرم؟    بوعمامة : "الإعلام الجزائري أسرة واحدة موحدة في خدمة الوطن"    الحجّاج مدعوون لحجز رحلاتهم قبل 18 مارس    ضرورة تعزيز قنوات الحوار والتواصل مع مسيري المؤسسات الصحية    وزارة الصحة: الاستماع إلى الانشغالات المهنية لفئة النّفسانيين    تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان    رمضان.. أدركوه قبل أن يرحل    كأس الاتحاد الافريقي : شباب بلوزداد يراهن على العودة بنتيجة إيجابية من مصر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



العمران الأخلاقي مسار المجتمعات الحضارية الراقية
نشر في أخبار اليوم يوم 04 - 03 - 2026


مراصد
إعداد: جمال بوزيان
الجزء الثاني
انتشار ظاهرة الكلام الفاحش..
العمران الأخلاقي مسار المجتمعات الحضارية الراقية
تشكو فئات واسعة في المجتمعات عموما بشأن ظاهرة (الكلام الفاحش والبذيء) المنتشرة في الواقع: (البيت المدرسة السوق الملعب الشوارع...) وأيضا في المواقع الإلكترونية.
سألنا: من المسؤول عن ذلك: الوالدان أو الأولياء المسجد الروضة المدرسة بكل مؤسساتها التدريجية المجتمع الإعلام مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها... أم جهات أخرى؟ وما الأسباب المباشرة وغير المباشرة في استفحال الظاهرة رغم الامتداد الواسع لرياض الأطفال والجمعيات والمساجد والمؤسسات التربوية والتعليمية ومراكز التوعية وصفحات الإرشاد والتوجيه عبر الإنترنت ...؟ وما الاقتراحات؟.
/////
الكلام الفاحش والبذيء:
من المسؤول؟ وكيف نعالج الظاهرة؟
أ.محمد حيدوش
الإشكالية الاجتماعية الملحة
تشكو فئات واسعة من المجتمعات العربية والإسلامية من انتشار ظاهرة الكلام الفاحش والبذيء في كل مكان: البيت المدرسة السوق الملعب الشوارع وحتى المواقع الإلكترونية. هذه الظاهرة ليست مجرد انحراف لغوي بل تعكس تدهورا أخلاقيا يهدد نسيج المجتمع. سؤال حاسم يطرح نفسه: من المسؤول عن استفحالها رغم انتشار رياض الأطفال الجمعيات المساجد المؤسسات التربوية ومراكز التوعية عبر الإنترنت؟ هل الوالدان أم المدرسة أم الإعلام أم مواقع التواصل الاجتماعي أم عوامل أخرى؟ وما الأسباب المباشرة وغير المباشرة؟ وأهم من ذلك ما الاقتراحات العملية؟.
يعتمد هذا التحليل على دراسات أكاديمية موثوقة مثل تقرير اليونسكو لعام 2019 حول العنف اللفظي في المدارس العربية ودراسة الدكتور محمد الغزالي في كتابه قواعد الأخلاق إضافة إلى أبحاث حديثة من جامعة الجزائر حول تأثير وسائل التواصل عام 2022.
المسؤوليات المشتركة: لا مفر منه
لا يقتصر المسؤول على جهة واحدة إنها مسؤولية جماعية تتوزع كما يأتي:
1. الوالدان والأسرة: هم الأساس. يقول الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين إن التربية تبدأ من المهد لكن دراسة نشرتها مجلة التربية الإسلامية عام 2021 تكشف أن 65 من الأسر العربية تتجاهل مراقبة لغة الأبناء مما يجعل البيت مصدراً أوليا للكلام البذيء.
2. المدرسة والمؤسسات التعليمية: رغم تدرجها من الروضة إلى الجامعة تفشل في مواجهة الظاهرة. تقرير اليونسكو يشير إلى أن 40 من الطلاب يتعرضون للعنف اللفظي يومياً بسبب ضعف البرامج التربوية.
3. المجتمع والمساجد: المساجد منتشرة لكن خطبها غالباً عامة لا تستهدف الشباب. دراسة من مركز الأبحاث الإسلامية في الجزائر سنة 2023 تؤكد أن 70 من الشباب لا يتأثرون بالخطب التقليدية.
4. الإعلام ومواقع التواصل: الأخطر منصات مثل تيك توك وإنستغرام تنقل الكلام الفاحش ك ترفيه . بحث نشرته مجلة الإعلام العربي سنة 2024 يظهر أن 80 من المحتوى الشائع يحتوي على لغة بذيئة مما يعزز التطبيع الثقافي.
5. جهات أخرى: الحكومات والشركات التقنية مسؤولة عن عدم تنظيم المنصات كما في تقرير ترانسبارنسي إنترناشونال سنة 2022 الذي ينتقد الرقابة الضعيفة.
الأسباب المباشرة وغير المباشرة
الأسباب المباشرة:
ضعف الرقابة الأسرية: الأسر مشغولة اقتصادياً فتترك الأطفال للشاشات.
غياب البرامج التربوية الفعالة: المدارس تركز على المادة لا الأخلاق.
انتشار الإعلام غير المنظم: الأغاني والمسلسلات تروج البذاءة ك حرية تعبير .
الأسباب غير المباشرة:
التغيرات الثقافية: العولمة تفرض قيما غربية تتعارض مع التراث الإسلامي كما يفسر ابن خلدون في المقدمة تفسخ المجتمعات.
الفقر والإحباط الاجتماعي: في الجزائر يرتبط 50 من الحالات بالضغوط الاقتصادية (دراسة جامعة عنابة 2023).
ضعف التوعية الرقمية: الشباب يقلد المؤثرين دون تمييز حسب تقرير بيو ريسيرش سنة 2024.
رغم الانتشار الواسع للمؤسسات يفشلون لأن جهودهم سطحية: الإرشاد عبر الإنترنت لا يصل إلا 30 من الشباب (دراسة مركز الإحصاء الجزائري).
اقتراحات عملية للعلاج
للحد من الظاهرة نقترح خطة متكاملة:
1. تعزيز الدور الأسري: حملات توعية إلزامية للوالدين عبر المساجد والمدارس مع تطبيقات مراقبة رقمية.
2. إصلاح التعليم: إدراج مادة أخلاق اللغة في المناهج مدعومة بدراسات حالة كما في نموذج سنغافورة الذي خفض العنف اللفظي بنسبة 40 .
3. تنشيط المساجد والجمعيات: جلسات تفاعلية للشباب بأساليب حديثة مستلهمة من دار الإفتاء المصرية .
4. رقابة الإعلام: قوانين صارمة على المنصات مع حملات كلام_محترم كما فعلت السعودية.
5. برامج مجتمعية: مسابقات إعلامية تكافئ اللغة النبيلة ودراسات ميدانية دورية لقياس التقدم.
يؤكد القرآن الكريم في سورة الإسراء (32): {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} فالعلاج يبدأ بالالتزام الجماعي.
في الختام الظاهرة ليست قدرا بل نتيجة إهمال مشترك. بالتعاون يمكن استئصالها لبناء مجتمع يعلو فيه الكلام الطيب.
/////
الكلام الفاحش وحصائد الألسنة:
وباء اجتماعي ومسؤولية مشتركة
أ.حشاني زغيدي
ظاهرة تتفاقم في الفضاء العام والرقمي
تشهد مجتمعاتنا العربية في السنوات الأخيرة استفحالًا مقلقًا لظاهرة الكلام الفاحش والبذيء حتى غدت لغة مألوفة في غير ما فضاء: في البيت وفي المدرسة وفي الشارع وفي الملاعب بل تضاعف حضورها في العالم الرقمي حيث خفّ الاحتكام إلى القيم وغابت المراقبة وسقطت الأقنعة. ولم يعد الأمر سلوكًا فرديًا عابرًا بل تحوّل إلى ظاهرة اجتماعية ذات آثار نفسية وأخلاقية عميقة تهدد السلم القيمي واللغوي للمجتمع. وتشير دراسة أجراها مركز بيو للأبحاث إلى أن 70 من المستخدمين الشباب في المنطقة شهدوا أو تعرضوا مباشرة لخطاب تحريضي أو فاحش على منصات التواصل خلال العام الماضي مما يؤكد صفة الوباء الرقمي.
الكلمة موقف أخلاقي لا مجرد صوت
إن آفة اللسان من أخطر الآفات التي تُصيب المجتمعات لأن الكلمة ليست صوتًا عابرًا بل موقفًا أخلاقيًا وشهادة على مستوى الوعي وانعكاسًا لما يختزنه القلب من قيم أو اختلالات. وقد نبّه الإسلام مبكرًا إلى خطورة الانحراف اللفظي فجعل استقامة اللسان شرطًا من شروط سلامة الإيمان كما ورد في الحديث النبوي الشريف: لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه .
وليس بعيدًا عن هذا المعنى ما قاله الجاحظ: اللسان ترجمان العقل ودليل ما في الضمير بما يؤكد أن الكلمة مرآة للباطن قبل أن تكون أداة للتعبير.
مسؤولية جماعية لا تُختزل في طرف واحد
الإنصاف يقتضي القول إن المسؤولية عن انتشار الكلام الفاحش مسؤولية جماعية لا يمكن تحميلها لطرف واحد. فالأسرة بوصفها الحاضنة الأولى للتكوين اللغوي والأخلاقي تتحمل نصيبًا معتبرًا حين تغيب القدوة الحسنة أو يُتسامح مع الألفاظ السوقية داخل البيت تحت ذريعة أنها أمر عادي فينشأ جيل متصالح مع الفحش وغير مستشعر لخطورة الكلمة. وفي هذا السياق يصدق قول عبد الرحمن الكواكبي: الأخلاق لا تُعلَّم بالنصوص وحدها بل تُغرس بالقدوة والمخالطة .
التربية والتوجيه بين النظرية وواقع الممارسة
وتتحمل المؤسسة التربوية بدورها جانبًا من المسؤولية إذ رغم امتدادها وتعدد هياكلها غالبًا ما تبقى التربية الأخلاقية واللغوية حبيسة المقررات النظرية دون أن تُترجم إلى ممارسات يومية تُنمّي الذوق العام وتُهذّب السلوك اللفظي. ويضاف إلى ذلك دور المسجد ومؤسسات التوجيه حيث يظل الخطاب في أحيان كثيرة عامًا ومجردًا لا يواكب التحولات الاجتماعية والرقمية العميقة التي يعيشها الشباب.
الإعلام والفضاء الرقمي: تطبيع الفحش
ولا يمكن إغفال أثر الإعلام والمنتج الثقافي حين يُروّج للبذاءة تحت عناوين الواقعية أو الجرأة فيُسهم بذلك في تطبيع الفحش وتجريد اللغة من بعدها القيمي. وفي المقابل يُغفل دور الفن والأدب الراقي والإعلام الهادف في تقديم نماذج بديلة للغة الجميلة والحوار المهذب كتلك التي قدمتها مسلسلات تاريخية أو أعمال أدبية رصينة أصبحت جزءاً من ذاكرة الأمة اللغوية. أما الفضاء الرقمي فقد أصبح المجال الأخطر لأنه ألغى الحواجز الأخلاقية وجعل السبّ والشتم لغة تفاعل يومية بلا وازع ولا محاسبة حتى غدت الكلمة في كثير من السياقات أداة صراع بدل أن تكون وسيلة تواصل.
جذور الظاهرة بين القريب والعميق
تتعدد أسباب استفحال هذه الظاهرة بين مباشرة وغير مباشرة. فمن جهة يبرز ضعف القدوة الصالحة في المحيط القريب وتراجع قيمة الأدب بوصفه سلوكًا ملزمًا لا خيارًا شخصيًا إلى جانب الاعتقاد الخاطئ بأن الفحش دليل قوة شخصية أو تحرر. ومن جهة أخرى تتجلى أسباب أعمق تتصل بالتفكك الأسري والاجتماعي وأزمة الهوية والتماهي مع نماذج لغوية دخيلة فضلًا عن الفراغ الروحي والفكري والفصل بين الخطاب الديني والسلوك اليومي. وهنا يجب أن نفهم أن اللجوء إلى هذه اللغة قد يكون عند البعض صيحة احتجاج على واقع مرير أو محاولة للتعبير عن إحساس بالإقصاء أو البحث عن انتماء ضمن مجموعات رقمية تتبنى هذه اللهجة كشعار لها.
حصائد الألسنة وخطورة الكلمة
وقد لخّص النبي صلى الله عليه وسلم خطورة الكلمة في حديثه لمعاذ بن جبل رضي الله عنه بقوله: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكبّ الناس على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم .
فكم من كلمة أفسدت مودة وقطعت رحمًا وأورثت أحقادًا يصعب زوالها إذ كما قيل: جرح اللسان لا يندمل وإن التأم جرح البدن .
من الإدانة إلى العلاج: مسؤولية الإصلاح
ولا يكفي الاكتفاء بالإدانة بل لا بد من الانتقال إلى العلاج. ويبدأ ذلك بتفعيل الدور الأسري عبر برامج توعية تُعلي من قيمة الحوار وتُقدّم النموذج العملي قبل النصيحة. كما يقتضي الأمر إدماج التربية اللغوية الأخلاقية في المنظومة التعليمية بوصفها ممارسة يومية لا مادة نظرية عابرة من خلال مبادرات عملية مثل إطلاق أسبوع الكلمة الطيبة في المدارس حيث يلتزم الجميع بلغة الاحترام في الفصول والفسح.
خطاب ديني وإعلام مسؤول
ويظل تطوير الخطاب الديني ضرورة ملحّة بحيث يجمع بين الوعظ والتأهيل السلوكي مستندًا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ليس المؤمن بالطعّان ولا اللعّان ولا الفاحش ولا البذيء .
إلى جانب ذلك يتعين ضبط الإعلام والفضاء الرقمي من خلال مدونات سلوك واضحة وتشجيع المحتوى الراقي وتفعيل القوانين الرادعة للإساءة اللفظية مع إطلاق مبادرات مجتمعية تُعيد الاعتبار لقيمة الكلمة وتربطها بالهوية والمسؤولية.
خاتمة: قرار أخلاقي لا يحتمل التأجيل
إننا في حاجة ماسّة إلى قرار أخلاقي جماعي نردده بصدق: كفى. كفى استهتارًا بالكلمة وكفى تطبيعًا مع البذاءة. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كفى بالمرء إثمًا أن يُحدّث بكل ما سمع .
فالكلمة مرآة القلب وصلاح المجتمعات يبدأ من ضبط الألسنة لأن حصائدها إما بناء وإما هدم ولا خيار بينهما.
والله من وراء القصد.
/////
سُعارُ البذاءةِ..
حينَ يغدو القولُ الفاحشُ مِعولاً لهدمِ القِيَمِ
أ.بثينة زمال
تُعد اللغةُ في جوهرها أرقى تجليات الوجود الإنساني كونها تمثل الوعاءُ الحضاري الذي يختزلُ قيم الأمة ويعكسُ رقيّ مجتمعاتها أو انحدارها. غير أن المتأمل في واقعنا المعاصر يلحظُ بمرارة تفشّي ظاهرة التلوث اللغوي المتمثلة في الكلام الفاحش والبذيء والتي زحفت لتكتسح المساحات الحيوية للإنسان من عتبات البيوت إلى أروقة المدارس ومن صخب الأسواق والملاعب إلى فضاءات التواصل الافتراضي. إننا أمام زلزال سلوكي يضربُ أطنابه في عمق الهوية ويستدعي تشريحا دقيقا للمسؤوليات والأسباب.
تشخيصُ الواقع: أين يكمنُ الخلل؟
رغم الانتشار الواسع لمؤسسات التنشئة بدءا من رياض الأطفال وصولا إلى دور العبادة ومراكز الإرشاد إلا أن الظاهرة في استفحال مستمر. يكمن التساؤل الجوهري هنا: لماذا تخفق هذه الترسانة المؤسساتية في كبح جماح البذاءة؟.
تتجلى الأسباب المباشرة في تطبيع المجتمع مع القبح حيث لم يعد الاستهجانُ الاجتماعي للكلمة النابية بالقوة التي كان عليها سابقا. فقد تحول الكلام البذيء في أوساط المراهقين والشباب إلى نوع من الإثبات الزائف للذات أو رمزية الفحولة والتمرد على القوالب التقليدية. أما الأسباب غير المباشرة فتتمثل في تآكل السلطة الرمزية للمربي سواء كان أماً أو أبا أو معلما أمام سطوة المؤثرين الرقميين الذين يتخذون من البذاءة وسيلةً لجذب المشاهدات وتحقيق الثراء السريع.
تفكيكُ المسؤولية: سلسلةُ الإخفاقِ المتصلة
إن المسؤولية عن هذا التدهور الأخلاقي لا تقع على عاتق جهة بعينها بل هي مسؤوليةٌ تضامنية أخفقت أطرافها في أداء أدوارها المنوطة بها:
الأسرة (الخلية الأولى): تعد الأسرةُ الحصنَ الأول ولكن حين يتحول البيت إلى بيئة يُمارس فيها العنف اللفظي بين الوالدين أو يُسمح فيها للطفل بترديد كلمات نابية تحت ذريعة خفة الدم أو صغر السن فإننا نضعُ حجر الأساس لسلوك مستقبلي منحرف. إن غياب الحوار التربوي الواعي واستبداله بالصمت أو الصراخ أدى إلى ارتماء الأبناء في أحضان لغة الشارع.
المدرسة والمؤسسات التعليمية: رغم دورها التعليمي إلا أن المدرسة تراجعت عن دورها التهذيبي . لقد غرق المعلم في المناهج المكدسة وغاب المربي الذي يراقب سلوك الطالب في الساحة والممر. كما أن المدارس باتت تفتقر إلى الأنشطة التي تعزز بلاغة اللسان وعفة القول مما ترك الساحة للغة هابطة تتسرب من الشارع إلى قاعات الدرس.
الفضاء الرقمي والإعلام: يمثل هذا الجانب التحدي الأكبر فخوارزميات منصات التواصل الاجتماعي تمنح الأولوية للمحتوى الصادم. وعندما يشاهد الطفل يوتيوبر يحظى بملايين المتابعين وهو يستخدم لغةً سوقية فإنه يتشرب هذا النموذج كمعيار للنجاح والتأثير.
المجتمع والبيئة العامة (المسجد والسوق والملعب): تراجع دور الرقابة المجتمعية ففي السابق كان الكبيرُ يزجرُ الصغيرَ إذا أخطأ في القول أما اليوم فقد ساد منطق نفسي نفسي وصار التدخل لإصلاح سلوك الآخرين مغامرةً غير مأمونة العواقب.
لماذا فشلت مؤسسات التوعية؟
إن الامتداد الواسع لرياض الأطفال والمساجد لم يحقق الردع المطلوب لأن الخطاب التوعوي في كثير من الأحيان ظل خطاباً نظرياً فوقياً لم ينزل إلى مستوى لغة الشباب وهمومهم. كما أن هناك انفصالا حادا بين ما يتلقاه الطفل في الروضة من قيم وبين ما يشاهده في الواقع المرير هذا الفصام الأخلاقي يجعل القيم مجرد شعارات تُحفظ لا سلوكا يُمارس.
مقترحات للحل: من الزجر إلى البناء
إن المواجهة تتطلب استراتيجيةً شاملة تتجاوز الوعظ التقليدي إلى الحلول العملية:
ثورة تربوية في البيت: يجب على الوالدين إدراك أنهم المرآة اللغوية لأبنائهم. لابد من تفعيل ميثاق الأخلاق اللغوية داخل الأسرة حيث تُمنع الكلمات النابية منعاً باتاً ويُكافأ اللسان العفيف.
أنسنة التعليم: ضرورة إعادة مادة الأخلاق والسلوك كجزء أساسي من التقويم المدرسي وألا يقتصر دور المعلم على نقل المعرفة بل يمتد ليكون حارساً للقيم اللغوية.
صناعة القدوة البديلة : على المؤسسات الإعلامية والجمعيات دعم صناع المحتوى الهادف الذين يقدمون مادة راقية بلغة سليمة لإثبات أن الرقي والنجاح لا يتطلبان الانحدار اللفظي.
التشريع الرادع: لا بد من تفعيل قوانين تجرم السب والشتم في الفضاء العام والافتراضي وتشديد الرقابة على المحتويات الرقمية التي تبث السموم اللغوية مع إيقاع عقوبات إدارية وسلوكية في المؤسسات التعليمية والملاعب.
عموما نخلص إلى أن الكلمة كائنٌ حي يبني ويهدم وإذا أردنا استعادة وقار مجتمعاتنا فعلينا البدء بتطهير ألسنتنا فاللسان العفيف هو عنوان الإنسان الحر والمتحضر. إن معركة العفة اللغوية هي معركة وجود إما أن ننتصر فيها لنحفظ هوية أجيالنا أو نتركها لتيار البذاءة الجارف الذي لا يبقي ولا يذر.
/////
يتبع


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.