"لا أحسن التملق وإنشاء قناة تلفزيونية اليوم أصبح مثل فتح بيتزيريا" بعيدا عن لغة التملق، وبكل عفوية، فتحت لنا الإعلامية المخضرمة المتألقة صورية بوعمامة قلبها، وحدثتنا عن تجربتها في الإعلام والظروف التي عاشتها سنوات الإرهاب، وكذا علاقتها بالتلفزيون الجزائري وسبب توقيف حصة "منتدى التلفزيون"، والعديد من الحقائق في هذا الحوار الشيّق والمثير. لقد غابت صورية بوعمامة عن الساحة الإعلامية، أين يكمن السبب؟ كم من كفاءات وإطارات هي مغيّبة اليوم، ومهمشة في غياهب النسيان وظلمة الدهاليز، بسبب أو بدون سبب، وهي ظاهرة يعرفها العام والخاص في المجتمع الجزائري، والمصيبة إذا عمّت خفّت. صحيح أنني غبت عن الشاشة، وصدقيني أن الشاشة لا تستهويني كثيرا، وما يهمني هو العمل الإعلامي الميداني، فأنا أعشق الميدان، وبإمكاني تقديم حصص تلفزيونية في قنوات خاصة، لكن لا أفعل، واليوم أنا أحسّ أنني اقتربت أكثر من المشهد الإعلامي الجزائري، وهو يعيش اليوم هذا المخاض العسير، كما أنني تحوّلت إلى متفرجة مدمنة تتابع كل هذه التحولات والمتغيّرات من بعيد بكل تمعنٍ وتأنٍ. لا يوجد في التلفزيون الجزائري اليوم صحافيون يقومون بالتقديم وإعداد التحقيقات و"الريبورتاجات مثلك، ما هو السبب؟ صحيح أنني غبت عن الشاشة، وفي مساري المهني، كان دائما ظهوري بصورة متقطعة، لأنني أعتبر نفسي من الصحافيات القليلات التي مارسن التحرير والتقديم والتنشيط وإعداد "الريبورتاجات" القصيرة والتحقيقات الكبرى الميدانية داخل وخارج الوطن ورئاسة التحرير، واليوم، أنا حاضرة في الكثير من الدورات التدريبية في التقديم التلفزيوني، آخرها كانت مع مدرسة "بي بي سي سكول" للتدريب، وصدقيني، كم كانت فرحتي عارمة وأنا أفرغ كل سنوات خبرتي في هذه الدورة، وأضعها بين طلبة اليوم وصحافيي الغد، الذين جاؤوا من كل أنحاء الوطن الجزائري، طلبا لمهارات العمل الصحفي، إنني أيضا أخوض تجربة كتابة "السيناريو" والإستشارة الإعلامية والتأليف. لكن نلاحظ أن نشاطك قلّ كثيرا في السنوات الأخيرة؟ لقد قلّ نشاطي في السنوات الأخيرة، لأنني أعيش مشاكل صحية تتمثل في اعوجاج في العمود الفقري وما يصاحبه من آلام وتبعات صحية، لكن المسيرة مستمرة، والإعلامي الجيّد، هو الإعلامي الذي يسأل عنه الناس ويبحثوا عن أخباره ويستفسرون عن غيابه، ولا زالوا يذكرونه رغم وجود المئات من الوجوه الإعلامية الجيّدة اليوم في فضائياتنا. الكثير يقول إن صورية بوعمامة "طلّقت" التلفزيون واتجهت للعمل كمديرة أخبار في إحدى القنوات الخاصة، هل هذا صحيح؟ تجمعني بالتلفزيون قصة حب وعشق رائعة، والذي لم "أطلّقه" وحياتي كانت مهددة بين أسواره وخارجها خلال التسعينات، فكيف لي بتركه اليوم، وهو الذي صنع شهرتي؟، أنا مازلت مرتبطة بالتلفزيون إداريا، ومدينة له بالكثير، ومشكلتنا ليست مع الجدران، وهذا يذكرني بالأغنية الشهيرة لمحمد عبدو، "الأماكن كلها مشتاقة لك"، لكن مشكلتنا في الجزائر مع أهواء وطبائع المسؤولين. ألم تعملي في القنوات الخاصة؟ لا.. أنا لا أعمل في أيّ قناة خاصة، ولا زلت مرتبطة بالتلفزيون، وإن كان الكثير من القائمين على هذه القنوات الخاصة زملاء وأصدقاء تجمعنا بهم علاقات صداقة ومودة منذ سنوات طوال. هل تنوين إنشاء قناة خاصة وتكوني أول امراة تخوض هذا المجال؟ للأسف وأقولها بحسرة وألم شديدين، أصبح إنشاء قناة تلفزيونية في الجزائر، كإنشاء متجرٍ أو (سوبيرات) أو "بيتزيريا"، لقد غابت القيّم السامية لمهنة المتاعب، وغابت أخلاقيات المهنة وماتت الضمائر الحيّة، وسادت سلطة المال، وأصبحنا نرى في الرسالة الإعلامية وسيلة للربح السريع، وكل شيء أصبح قابلا للبيع والشراء في هذا البلد، نشتم رائحة المال و"البزنسة" في كل ما حولنا، في السياسة، في الإعلام، في الحياة اليومية، في الرياضة، في الفن وحتى في المفردات اللغوية التي أصبحت دخيلة على لهجتنا، ك"الشكارة"، "العط"، "التأويل"، "التبزنيس"، وهذا أمر مؤسف ومقرف للغاية. والآن سأجيبك على سؤالك، أنا إنسانة تنتج أفكارا ولا تعرف شيئا عن التسيير والتجارة، وقناة إخبارية تحتاج أولا - وأركز على أولا - إلى الخبرة الإعلامية، ثم يأتي المال في المرتبة الموالية، لأن التلفزيون اليوم صناعة محتوى وشكل، والناجح الذي يحسن دمج الإثنين، وأنا أملك الخبرة ولا أملك المال، ولا أفكر قطعا في إنشاء قناة، فأنا وفية لصحبة القلم والمكتبات، لا أفقه في لعبة السياسة، فأنا أمقت الأمور البيروقراطية ولا أحسن التملق. معروف عنك أنك كنت تقدّمين نشرة الأخبار في فترات عصيبة عاشتها البلاد، حدثينا عن هذه التجربة؟ نعم.. قدّمت نشرات الأخبار على شاشة التلفزيون الجزائري، وقمت بإعداد وتقديم الكثير من الحصص في وقت عصيب جدا، كان فيه الكثير من التشويش الداخلي على مصداقيتنا، فالجزائر كانت توجه لها السهام من كل حدب وصوب، كانت أوقات صعبة، وكنا خلالها في حصار متعدد الأوجه، كنا نعيش كل يوم أجواءً جنائزية، نبكي وننعي زملاء لنا تقاسمنا معهم الحلو والمر، كنا أمواتا أحياء، كنا ننعي كل يوم أبناء شعبنا من أئمة ومحاميين وشرطة وأشخاص عزل، لكن رغم الجرح العميق، واصلنا العمل، ولم تنل منا التهديدات، وكان يرى فينا المشاهد بأن الدولة قائمة، والكثير من المشاهدين كانوا يشدّون على أكتافنا ويقولون لنا "لما نشوفوكم نتأكد أننا واقفون ولم نهزم". صوريا بوعمامة أعلنت عن توقيف المسار الإنتخابي، كان موقفا محرجا، ما هي أصعب الفترات التي مررت بها عندما كنت تقدّمين الأخبار؟ شاءت الصدف أن أقرأ نبأ توقيف المسار الإنتخابي، ويومها تمّ قراءته من قبل كل مذيعي النشرات: الظهيرة، موجز السادسة، نشرة الثامنة والنشرة الأخيرة، لكن الذي زاد الصورة انتشارا، هي أن صورتي أدرجت في أحد التحقيقات التي قامت بها قناة أجنبية، فانتشرت الصورة، وكان التلفزيون بالنسبة لهذه القناة مصدرا للمعلومة، خاصة في تلك الظروف ، صحيح أن الصورة أرخت لبداية كنا نجهل نهايتها، ولحدث كانت له تداعيات كبيرة في السنوات التي تلت، لكن أنا لم أقم إلا بعملي المعتاد، وكل صحافي مرتبط بالخط الإفتتاحي لوسيلته الإعلامية، أرى كل يوم عشرات المذيعين يعلنون عن أحداث مصيرية في العالم، المذيعون المصريون وهم يعلنون عن وقف المسار الديمقراطي في مصر، المذيعون في فرنسا وهم يعلنون عن حالة الطوارئ ، تونس وحالة الطوارئ، وإذا انتبه المشاهد، فأنا قرأت الخبر مباشرة من الورقة، وكنت أعود إلى الورقة كل مرة، ولم أقرأه على الشاشة، رغم وجود آلية القراءة على الشاشة، وهذا احتراما مني لمصدر وجهة الخبر وللمشاهد الكريم، على أن هذا الخبر ليس من تحرير التلفزيون، لكي نقرأه كما هو من مصدره، وأي حرف زائد أو كلمة مضافة، قد تغيّر معنى الأشياء. * نجحت في حصة "منتدى التلفزيون" التي كنت تسلطين فيها الضوء على الأحداث الوطنية، من خلال استضافة وزراء وشخصيات، لكن فجأة توقفت الحصة، ما هو السبب؟ الحصة توقفت بأمر من المدير العام وقتها "العولمي"، الذي طلب مني إقصاء ممثلي الصحافة الخاصة والإكتفاء بصحافي أو إثنين فقط يتم اختيارهم كل مرة، مع تغيير شكل وتوقيت الحصة. ألّفت كتابا قبل سنتين، حدثينا عن التجربة؟
كتابي "أوراق لم تكن للنشر"، كان شهادة حيّة عن ظروف العمل في التلفزيون خلال سنوات الإرهاب، وكان كسرا لجدران الصمت داخل أسوار التلفزيون، أقل ما يمكن تقديمه لروح زملائنا ضد كابوس النسيان، كان نوعا من العلاج النفسي لتراكمات سنوات الإرهاب وذكرياتها العسيرة، أردت من خلال هذا الكتاب أن أقدّم تجربة تعامل الجزائر مع هذه الظاهرة التي تنخر اليوم بلدانا كثيرة، على الأقل أن يستفيد إخواننا في تونس من تجربة الجزائر، وقد أشرت إلى ذلك، بل بدأت من تونس من مذبحة جبال الشعانبي على الحدود الجزائريةالتونسية، وعرّجت على تجمّعات ميدان "رابعة العدوية" في مصر، لأقول بكلام بسيط "الإرهاب هو نفسه في الجزائر أو تونس أو القاهرة، وأن الأمور ستسير نحو ما سارت عليه في الجزائر".