بعد مرور ما يقارب الأسبوع من "التجاهل" الإعلامي الذي تعاملت به كبريات الصحف الأمريكية مع زيارة كاتب الدولة للشؤون الخارجية الأمريكي، جون كيري، إلى الجزائر الخميس الماضي، أخيرا حظي هذا الحدث بتحليل مطول من طرف "جيوف بورتر"، مدير معهد استشارات المخاطر في شمال إفريقيا، حيث نشرت له صحيفة النيويورك تايمز مقالا تحليليا مطولا حمل عنوان "إبقاء عين على الجزائر". وعاد بورتر إلى سياق الزيارة التي جاءت في خضم الحملة الانتخابية لرئاسيات 17 أفريل، وما يميزها من تجاذبات، تتمركز على ترشح الرئيس بوتفليقة لعهدة رابعة والتي جاءت بعد تعرضه لمشاكل صحية، سافر بسببها للعلاج في فرنسا استمر شهورا، ثم عودته إلى البلاد التي ميزها تقليل ملحوظ في نشاطه، وحتى في حملته الانتخابية لا يظهر فيها وهو ما اعتبره بالغريب في التجربة الجزائرية. لكل بالمقابل اعتبر الكاتب أن الرئيس بوتفليقة يحظى ب«شعبية لا شك فيها"، حيث تنسب إليه قطاعات كبيرة من الشعب الجزائري الاستقرار والأمن الذي تنعم به الجزائر حاليا، بعدما تمكن من إنهاء سنوات الدم التي خلفت 150 ألف ضحية، وأعادها مجددا إلى الساحة الدولية. وبدا أسلوب الكاتب والخبير في شؤون شمال افريقيا في وصفه لماضي بوتفليقة، أنه يستصغر وجود المعارضة والالتفاف الشعبي حولها، حيث وصفها ب«حركة المعارضة الصغيرة التي تقوم بوقفات احتجاجية دورية تدعو خلالها إلى رفض العهدة الرابعة، يكون فيها عدد رجال الشرطة أكبر من عدد المتظاهرين، وتلقى تجاهلا". وبالعودة إلى زيارة كيري، اعتبر جيوف بورتر أنها جاءت ل "الاطمئنان" على الوضع في الجزائر، التي رغم أن رصيدها في التعاون الاستراتيجي مع الولاياتالمتحدة متواضع، الا أن وضع الجزائر في الجغرافيا وفي التطورات الاقليمية، يجعل منها نقطة لا يمكن إلا أن تكون مصدر اهتمام امريكي حثيث، فمن الفوضى في جارتها الشرقية ليبيا، إلى سيطرة الجماعات الإسلامية على شمال مالي، إلى النيجر التي تعاني من مشاكل الفقر وعدم الاستقرار، وحتى تونس التي تعتبر التجربة الوحيدة التي نجحت في ما يعرف بالربيع العربي "لا تزال تواجه خطر التهديدات الارهابية". وللتدليل على محورية الجزائر في ضبط الاستقرار بالمنطقة، ركز الكاتب على الجيش الوطني الشعبي، الذي اعتبر أنه يتميز بقوة كبيرة في العتاد وفي تدريب وجاهزية أفراده، فهو مصنف في المركز العشرين ضمن أكثر الدول إنفاقا في مجال الدفاع، لتتفوق على كل من إيران وباكستان، واعتبر أنه باستثناء اعتداء تيغنتورين، حققت الجزائر نصرا مبينا على الجماعات الارهابية، التي لم تتمكن من القيام بعمليات نوعية غيره. ورسم الكاتب سيناريو أسود في حالة خروج سباق الرئاسيات المقبلة عن الطريق السلمي، في حالة حصول انقسام على شرعية الرئيس الذي سينتخب، حيث توقع أن "تجد الجماعات الإرهابية فرصتها في الدخول بقوة إلى الجزائر، والقيام بنشاطات تجعل الجزائر من أكبر ضامن للاستقرار بالمنطقة إلى برميل بارود لن يسلم منه أي بلد في الجوار وستصل نيرانه إلى المغرب وأوروبا، وحتى إلى شبه جزيرة سيناء المصرية". وعلى هذا الأساس، اعتبر الخبير أن زيارة جون كيري إلى الجزائر لا تقل أهمية عن التحديات التي تواجهها الولاياتالمتحدة في أزمات القرم وسوريا وإيران، معيبا عليه عدم إدراج لقاءات مع الجماعات المعارضة للرئيس بوتفليقة ضمن جدول زيارته، وطمأنتها على أن واشنطن تشجع إرساء مؤسسات ديمقراطية في البلاد. وفي ختام المقال، اعتبر الكاتب أن الولاياتالمتحدة في تعاملها مع الشأن الجزائري تجد نفسها أمام خيارين متناقضين، الأول هو عدم التدخل في شأنها واتقاء الحساسية الجزائرية من هذا الموضوع، والثاني هو أنها نفسها مرغمة على أن تلعب دورا معينا في سير الأمور قبيل الرئاسيات، وبهذا الشأن نصح الجانبين بانتهاج طريق الدبلوماسية الشفافة بينهما، وبناء شراكة استراتيجية انطلاقا من التطورات التي تحصل في المنطقة.