أهمية تنظيم الأوراد يقول ابن عطاء الله السكندري:”لا يستحقر الورد إلاّ جهول. الوارد يوجد في الدار الآخرة والورد ينطوي بانطواء هذه الدار.وأولى ما يعتنى به لا يخلف وجوده.الورد هو طالبه منك، والوارد أنت تطلبه منه، وأين ما هو طالبه منك ، مما هو مطْلبك منه؟”
ما الفرق بين الورد والوارد؟ الورد هو الحصة التي تلزم نفسك بها من الطاعات النافلة، في أوقات معينة كركعات من النافلة، وكقراءة ما تيسر من القرآن وكالالتزام بأذكار الصباح والمساء، فهذه الطاعات إذ ألزمت نفسك بقدر محدد منها في وقت معين من كل يوم هي المعنيّ بالورد. أما الوارد، فهو ما يرد إلى العبد من ربه عز وجل من لطائف الأسرار ودقيق المعارف ، وخوارق العطاء والإكرام. وفي الناس من يستخف بالأوراد التي يهتم بها السالكون، وأصحاب الطرق.ولعل مصدر الاستخفاف بها، وجود من يستخف بالتصوف وجملة الأعمال القلبية التي يبتغي منها تطهير القلب من الرعونات والأوضار التي تحجب صاحبها عن الله عز وجل، وتحرمه من لذة الطاعات والعبادات، وقد علمت في أكثر من مناسبة مرت أنه لا خير في إسلام لا يكون له حظ من لسان الإنسان وأعضائه وحركاته الظاهرة، وأن الإسلام لا يكمل إلا بالإيمان الذي مكانه العقل إدراكاً ويقينًا، والقلب حبًا وتعظيمًا، وأن الإيمان بدوره لا يكمل إلاَّ بالإحسان الذي يجعل الإنسان مع الله في تقلباته كلها. فما الذي يجعل القلب يحيا بالإحسان، ويفيض بالحب والتعظيم للخالق؟ سبيل ذلك بعد أداء الفرائض وتجنب المعاصي، الإكثار من مراقبة الله وذكره، فذلك هو غذاء القلب إذ يسير به صاحبه في الطريق إلى هذه الغاية. وإذا كان الإكثار من ذكر الله بكل أنواعه مطلوباً، فإن تنظيم القيام به أمر مطلوب أيضاً، ولو لم يكن تنظيمه أمراً حسناً أو مطلوباً لكان نقيضه، وهو الركون إلى الفوضى، وهو المطلوب وحاشا الأمر أن يكون كذلك. على أن كلاً من القرآن والسنة قد نبه الإنسان إلى هذا الانضباط والنظام.ألم ينبه القرآن المسلم إلى أن عليه أن يقبل إلى الله بشيء من الذكر له، إذا أصبح وإذا أمسى، عندما خاطبه قائلا:”واذكر ربَّك في نَفْسِك وخِيفَةً ودونَ الجهرِ مِنَ القولِ بالغدُوِّ والآصال ولا تَكُنْ مِنَ الغافلينَ”(الأعراف)وعندما قال:”فاصبر علَى ما يقولونَ وسبِحْ بِحَمْدِ ربِّك قَبْلَ طلُوعِ الشَّمسِ وقَبْلَ الغرُوبِ”.(طه) ألم ينبه القرآن المسلم إلى أن عليه أن يتعهد نفسه بوظيفة من الاستغفار في أوقات السحر عندما قال:”كانوا قليلاً من اللَّيلِ ما يهجَعُونَ، وبالأسْحَارِ هُمْ يستغْفِرونَ”.(الذريات) ألم يقرر العلماء أخذاً من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم أن أفضل الأوقات لقراءة القرآن في الليل مابين المغرب والعشاء، وما بعد منتصف الليل، وأن أفضل الأوقات لقراءته بالنهار بعد صلاة الصبح.. فمن ذا الذي يستخف بالورد إذن إلا من يستخف بتعاليم القرآن وهدي النبوة وما كان عليه جل الصحابة؟!.. ولا ريب أنه جهول كما قال ابن عطاء الله. وإذا تأملت تجد أن هذاه الواردات كلها من نوع الجزاء الذي يتفضل به الله على عباده، وإنما ميقاته يوم القيامة، فإن عجل للعبد من ذلك شيئا في دار الدنيا، فتلك خصيصة وفضل من الله يؤتيه من يشاء، في حين أن الورد وظيفة أقامك الله عليها، في دار الدنيا، فإذا انتقلت منها إلى رحاب الله، انتهت الوظيفة وانقطع الطلب وغابت الفرصة. ولكن كثير هم الذين يستعجلون الواردات التي لم يحن ميقاتها بعد، ويعرضون عن المطلوب(العمل)الذي يوشك أن ينقضي ميقات أدائه مع انقضاء العمر. كما أن خوارق المكرمات إنما هي مطالبك التي تنتظرها وتبتغيها من الله عز وجل، أما وظائف الطاعات مما يدخل في معنى الأوراد، فهي مطاليب الله منك ومتعلقات أوامره لك، فما بالك تتكاسل عن القيام بالوظائف المطلوبة منك، وتنشط في انتظار أو طلب ما تبتغيه أنت منه؟!.. المرحوم الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي