مراصد إعداد: جمال بوزيان الحذر الاستراتيجي وقراءة المشهد السوري بهدوء الإعلام العابر للحدود مؤثر في تشكيل الوعي العام تَرصُدُ أخبار اليوم مَقالات فِي مختلف المَجالاتِ وتَنشُرها تَكريمًا لِأصحابِها وبِهدفِ مُتابَعةِ النُّقَّادِ لها وقراءتِها بِأدواتِهم ولاطِّلاعِ القرَّاءِ الكِرامِ علَى ما تَجودُ به العقولُ مِن فِكر ذِي مُتعة ومَنفعة ... وما يُنْشَرُ علَى مَسؤوليَّةِ الأساتذةِ والنُّقَّادِ والكُتَّابِ وضُيوفِ أيِّ حِوار واستكتاب وذَوِي المَقالاتِ والإبداعاتِ الأدبيَّةِ مِن حيثُ المِلكيَّةِ والرَّأيِ. ///// الليبرالية العلمانية اليسارية: مصطلحات متباينة يضعها مجتمعنا في سلة واحدة.. لماذا؟! أ.د.هاشم غرايبة ذلك أن تناقضها في المنشإ وليس جوهريا لأنها في المآل واحدة وثبت ذلك في التطبيق في حالة الثورات العربية حيث رأينا كيف انضم اليساريون إلى تحالف نظام بشار العلماني مع نظام بوتين الليبرالي وتنكروا بسهولة لشعاراتهم التي كانوا يرفعونها في الانتصار لحق الشعوب في اختيار مصيرها. حتى لا يكون ذلك رأيا متجنيا أو متحيزا لنراجع مدلولات وغايات هذه المصطلحات: 1 - الليبرالية: اصطلاحا رديف للنظام الحر وما هي في حقيقة الأمر إلا حفيدة الإمبريالية التي اكتوت بنارها بها كل الشعوب المستضعفة حيث غزتها وامتصت خيراتها ولم تترك في ميادين الافتراس تلك سواء في آسيا أو أفريقيا أو أمريكا اللاتينية لم تترك شعبا إلا بعد أن غدا جلدا على عظم فأودعته مستودع المهملات المسمى الدول المتخلفة. وعندما تطورت بفضل الثورة الصناعية والثروات المنهوبة من المستدمرات لبست زيا جديدا مسماه الرأسمالية وضعت هؤلاء المنهكين في سباق مع المتقدمين عليهم تقنيا وعلميا فعزت خسارتهم المحتومة الى ثقافتهم وقيمهم وطالبتهم بالتخلي عنها والتبعية لهم فباتت (العولمة) لعنة على المقهورين بدلا من وسيلة منقذة بعد أن أنتجت حرية التجارة العالمية ازدهارا للأقوياء مقابل انكفاء الصناعات المحلية للضعفاء لأن إغراق أسواقهم بالبضاعة المنافسة جعلهم يتخلون عن إنتاج لقمة عيشهم أي قوتهم الوطني بإمكاناتهم المحلية بعد أن أصبح استيرادها أقل كلفة وأجود أداء حتى صناعاتهم أصبحت تحويلية أي أنها مجرد الجزء الأخير من خط الإنتاج الاحتكاري للأقوياء وليست دعما تنمويا بل لاستغلال رخص الأيدي العاملة فيها. جاءت الليبرالية وهي الزي الأحدث بلباس خادع قشيب حيث أدخلت الحريات الإنسانية في منظومة قيمها والتي لم تكن أكثر من عطور لإخفاء الرائحة الكريهة (التسلط والاحتكار) ولكي تتحقق الهيمنة الاقتصادية وهو إبقاء هؤلاء الضعفاء مجرد سوق للاستهلاك وللأيدي العاملة. 2 - العلمانية: مبدأ غربي أسس على خلفية مناهضة لتسلط الكنيسة لكنها استنفدت هدفها الأول سريعا بعد نجاح الإمبريالية بترويض الكنيسة لتفريغ المسيحية من محتواها القيمي الذي كان يعيق نهم الرأسمالية الاستحواذي وإبقائها مجرد معتقد فردي وبذلك انفرد تحالف الرأسماليين والسلطويين بالساحة ولم يعد هنالك معيق لحرية قوى الهيمنة بالكسب اللاأخلاقي. إذن لم يعد من مبرر لوجود العلمانية بعد ذلك لكن كعادة المستثمرين: لا شيء يرمى في سلة المهملات! بل يعاد تدويره وهكذا فقد وجدت الإمبريالية التي لا تعيش إلا على وجود عدو أو منافس وبعد انهزام الاتحاد السوفياتي لم يبق من مصادم غير الإسلام لذلك وجدوا أن الترويج للعلمانية سيكون مجديا لتفريغ الشعوب العربية من محتواها التاريخي القيمي المانع من الاندحار (الإسلام) بحجة التنوير والتحرر من التخلف لذا فقد تم تأهيل الفكرة من جديد من أجل محو المقاوم الثقافي – الديني وطرده من موقع المعارض للأنظمة المكروهة وتسلمِ العلمانيين لراية التقدم إلى المستقبل. لذلك شهدنا في هذا المضمار جهودا مكثفة تركزت في العالم الإسلامي طوال القرن المنصرم قوامها نشر الثقافة الغربية وتغيير المناهج لصالح التغريب الثقافي للأجيال القادمة والتشكيك بالتاريخ المجيد على أنه مزور لقطع الارتباط به. 3 - اليسارية: مصطلح آفل ولم تعد له تلك المكانة التي اكتسبها حينما كان يعني التصدي للإمبريالية والانتصار لحرية الشعوب فقد تحطمت الصورة عندما التحقت روسيا - الراعي التاريخي لليسار بالمعسكر الإمبريالي الذي قادته أمريكا فيما سمي بالحرب على الإرهاب كما زالت تلك الهالة الخادعة لليساريين العرب مع أول امتحان لنياتهم الحقيقية فقد انضموا لمعسكر الأنظمة القمعية التي طالما طالبوها بالاستجابة لرغبات شعوبها لكن عندما تبينوا أن رغباتهم هي انتهاج الإسلام اعتبروا الطاغية بطلا لتصديه لهم والشعوب خائنة تستحق البطش. هكذا نفهم بعد تحليل هذه المصطلحات لماذا اعتبرها الفهم الجمعي الشعبي غير متناقضة إذ لو كانت كذلك لكانت أهدافها متناقضة ولما تحالفت عندما دقت ساعة الحقيقة واندلعت الثورات العربية وتبين للفرقاء الثلاثة أن الإسلام قادم.. عندها ترك كل منها برقعه الخادع وظهر على حقيقته ورأى أن النقيضين هما الأقرب إليه فتحالف معهما. لذلك وبغض النظر عن تباينهم من حيث المنشإ فالشعب يضع هؤلاء في سلة واحدة ولا يفرق بين أذاهم الذي حاق به وأذى الفاسدين الناهبين أو الأنظمة حاميتهم. ///// الحذر من الاصطفاف الإعلامي في المرحلة السورية الجديدة د.محمد محمد مظهر أحمد تمرّ سوريا اليوم بمرحلة دقيقة تُعاد فيها صياغة مفهوم الدولة والشرعية والمؤسسات بعد سنوات من الانهيار والصراع. وفي مثل هذه اللحظات التأسيسية يصبح الإعلام العابر للحدود لاعبًا مؤثرًا في تشكيل الوعي العام وإعادة تعريف معايير الحكم على السلطة الجديدة. من هنا تبرز أهمية قراءة الدور الذي قد تلعبه المنصات المرتبطة فكريًا بعزمي بشارة ولا سيما تلفزيون العربي وقناة سورية 24 والمؤسسات البحثية مثل المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في تناول المرحلة السورية الوليدة. المسألة ليست اتهامًا ولا دعوة إلى خصومة إعلامية بل تحذير استراتيجي من خطورة الاصطفاف الحاد في بيئة انتقالية هشّة. الإعلام لا يغيّر الوقائع الميدانية لكنه يعيد تأطيرها. وعندما يتبنى خطابًا يركّز على فجوات الأداء ويُسقِط معايير الدولة الديمقراطية المكتملة على دولة لم تستكمل بنيتها بعد فإنه يرفع سقف التوقعات الشعبية قبل اكتمال الأدوات المؤسسية. هنا تتشكل معادلة خطرة: توقعات مرتفعة مقابل قدرة تنفيذية محدودة. في الدول الخارجة من النزاع الشرعية تمرّ بثلاث مراحل: شرعية التحرير ثم شرعية الاستقرار ثم شرعية الإنجاز المؤسسي. القفز مباشرة إلى المرحلة الثالثة في الخطاب الإعلامي قد يُربك الانتقال ويضع الحكومة أمام اختبار دائم حتى لو كانت تسير في مسار إصلاحي تدريجي. الخطر لا يكمن في النقد بل في تثبيت سردية مبكرة تعتبر أي تباطؤ إخفاقًا وأي تدرج ضعفًا وأي مقاربة حذرة ترددًا سياسيًا. فإذا تراكم هذا الإطار السردي تتحول الصورة الذهنية للحكومة إلى موضع تشكيك مستمر ويبدأ التآكل الرمزي للثقة قبل أن تتشكل الإنجازات الملموسة. هناك أيضًا بُعد آخر يتمثل في تدويل التقييم السياسي. حين تُناقش التجربة السورية الجديدة عبر منصات ذات انتشار إقليمي واسع يتحول النقاش من شأن داخلي إلى ملف عربي مفتوح. هذا قد يؤثر في تموضع الفاعلين الإقليميين وفي شكل الدعم السياسي والاقتصادي المقدم لسوريا. ومع ذلك فإن مواجهة هذا الاحتمال لا تكون بالتصعيد أو التخوين بل ببناء مناعة مؤسسية وإعلامية داخلية. الدولة القوية لا تخشى النقد بل تستثمره. أما الدولة التي تعاني من غموض في السياسات أو ضعف في التواصل فإن أي خطاب خارجي قد يبدو وكأنه تهديد وجودي. إن المرحلة السورية الجديدة تحتاج إلى إدارة ذكية للسردية الوطنية وإلى شفافية استباقية وإلى إشراك النخب المحلية في صياغة القرارات حتى لا يُترك المجال لجهات خارجية — مهما كانت نواياها — لملء الفراغ. الحذر الاستراتيجي لا يعني العداء بل يعني قراءة المشهد بوعي. فالاصطفاف الإعلامي إن حدث لا يكون مؤثرًا إلا بقدر ما تكون الجبهة الداخلية متماسكة أو هشّة. ويبقى السؤال الجوهري: هل نملك في الداخل ما يكفي من وضوح الرؤية وقوة الأداء بحيث يصبح أي اصطفاف خارجي مجرد رأي عابر في فضاء مفتوح لا عاملًا مؤثرًا في مسار الدولة؟. ///// الضغط العسكري الأمريكي على إيران: رهانات الاستسلام دون حرب وغياب الموقف الإسلامي الموحد أ.فاتح مومن تتعامل الولاياتالمتحدةالأمريكية مع الملف الإيراني بوصفه أحد أعقد ملفات الشرق الأوسط حيث يتداخل البرنامج النووي مع النفوذ الإقليمي ومع توازنات القوى الدولية. ومن هنا برزت استراتيجية قائمة على حشد القوة العسكرية واستعراضها كوسيلة ضغط نفسية وسياسية هدفها دفع إيران إلى الاستسلام التفاوضي دون الانزلاق إلى حرب شاملة قد تفتح أبوابًا يصعب إغلاقها. تعتمد هذه المقاربة على نشر حاملات الطائرات وتعزيز القواعد العسكرية وإظهار الاستعداد القتالي في الخليج بما يصنع بيئة ضغط دائم تجعل خيار التنازل يبدو أقل كلفة من المواجهة. فواشنطن لا تسعى بالضرورة إلى الحرب بل إلى صناعة شعور دائم بأن الحرب ممكنة في أي لحظة وهو ما يرفع سقف الضغط السياسي. في المقابل تتعامل طهران مع هذه الرسائل بمنطق الصمود الاستراتيجي فتُظهر قدرتها على الرد عبر أدوات غير تقليدية من القدرات الصاروخية إلى النفوذ الإقليمي وشبكات الحلفاء. وهكذا يتحول الاستعراض العسكري الأمريكي إلى جزء من إدارة الأزمة لا إلى حلّها بينما يستمر التوازن الهش بين الردع والتصعيد. يدرك صانع القرار الأمريكي أن أي مواجهة مباشرة مع إيران لن تكون محدودة بل قد تمتد إلى الممرات البحرية وأسواق الطاقة وتفتح جبهات متعددة. كما أن التجارب السابقة في المنطقة أظهرت أن الحروب الكبرى لا تُحسم بسهولة وأن تكلفة ما بعد الحرب غالبًا ما تكون أعلى من تكلفة الحرب نفسها. لذلك يبرز خيار الضغط دون مواجهة باعتباره الأكثر واقعية. وتزداد هذه القناعة بسبب معضلة التنبؤ الاستخباراتي فالتقدير العسكري ممكن لكن توقع مسارات الحرب ونتائجها النهائية يبقى صعبًا. فالحرب مع إيران تعني حرب استنزاف متعددة المستويات وهو سيناريو تحاول واشنطن تجنبه عبر الضغط المتدرج. غير أن التركيز الأمريكي على العامل العسكري جاء على حساب عوامل أخرى. فالعقوبات الاقتصادية لم تحقق تغييرًا جذريًا في السلوك الإيراني والمسار الدبلوماسي شهد تقلبات أفقدته الاستقرار. كما أن العامل الداخلي الإيراني كثيرًا ما يتحول إلى عامل تعبئة بدل أن يكون عامل انهيار في حين تحد مواقف قوى دولية مثل روسيا والصين من قدرة واشنطن على فرض عزلة كاملة. غير أن أحد أبرز العوامل المغفلة في هذا المشهد يتمثل في الغياب شبه التام للموقف الإسلامي الموحد. فالدول الإسلامية رغم إدراكها أن أي مواجهة كبرى في المنطقة ستنعكس على أمنها واستقرارها تواصل التعامل مع الأزمات بمنطق فردي حيث تُترك كل دولة لمصيرها في مواجهة الضغوط الدولية. هذا النمط من السلوك كرّس معادلة مفادها أن الأزمات تُدار على أساس الأكل المنفرد لا على أساس الحماية الجماعية. ويظهر هذا الغياب في غياب رؤية أمنية مشتركة وضعف التنسيق السياسي وتباين المصالح الإقليمية ما يجعل أي أزمة تتحول إلى اختبار منفصل لكل دولة بدل أن تكون قضية جماعية. وفي هذا السياق تبدو المؤسسات الجامعة عاجزة عن بلورة موقف حاسم وعلى رأسها منظمة التعاون الإسلامي التي تظل بياناتها غالبًا في إطار التعبير الرمزي أكثر من الفعل السياسي المؤثر. إن هذا الفراغ يمنح القوى الكبرى هامشًا أوسع لإدارة الصراعات وفق مصالحها لأن غياب كتلة إسلامية متماسكة يعني غياب توازن إقليمي قادر على فرض معادلات ردع جماعية. وبالتالي يصبح الضغط على دولة بعينها رسالة لبقية الدول في إطار استراتيجية تقوم على تفكيك المواقف بدل توحيدها. وفي المحصلة فإن الرهان الأمريكي على استسلام إيران دون حرب لا يقوم فقط على القوة العسكرية بل يستند أيضًا إلى إدراك غياب جبهة إقليمية موحدة يمكن أن تغيّر قواعد اللعبة. وبين ضغط القوة وصمود الإرادة وغياب التضامن يستمر الملف الإيراني نموذجًا لصراع تُدار فيه الحروب المحتملة قبل وقوعها لأن انفجارها قد يتجاوز قدرة الجميع على التحكم في نتائجها.