كرّست الكلمة التي ألقاها رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون بالمركز الثقافي لجامع الجزائر بمناسبة زيارة البابا ليون الرابع عشر، التناغم مع المواقف التي يتبناها الفاتيكان إزاء قضايا السلم في العالم، في ظل التعقيدات التي أفرزها النظام العالمي الجديد، ما أضفى نجاحا تاما على زيارة أرادها البابا ليون الرابع عشر المتأثر بنهج القديس أوغستين، أن تكون تاريخية، لأرض ترعرعت فيها هذه الشخصية العالمية، التي سبقت زمانها في الحديث عن قيم الحوار والتعايش. حملت زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر عديد الرسائل السياسية والمواقف الثابتة الناصرة لحقوق المستضعفين في العالم، وتجلى خلالها الانسجام في خطاب الرئيس تبون والبابا ليون الرابع عشر، خاصة فيما يتعلق بالانحراف الخطير الذي تشهده سياسات بعض القوى الغربية والتطوّرات التي تشهدها مناطق من العالم، على غرار أزمة الشرق الأوسط التي تنذر بعواقب لا يحمد عقباها. وكانت المناسبة سانحة لرئيس الجمهورية للتذكير بالمبادئ الثابتة للجزائر في الدفاع المستمر عن القضايا العادلة عبر العالم والوقوف إلى جانب المظلومين والمضطهدين والمحرومين وإعلاء الكرامة الإنسانية، مؤكدا استعداد الجزائر لوضع يدها في يد كل من يرافع من أجل السلام وترقية روح التفاهم ونشر الحوار والتعايش، بدل الانقسام والصدام. وعبر السيد الرئيس بكل اعتزاز عن المواقف السيادية للجزائر التي سبق أن دافعت عنها عبر المحافل الدولية، مثلما فعلت ذلك خلال شغلها منصب غير دائم في مجلس الأمن لعهدتين، ومازالت تتمسك بها باعتبارها من أولويات سياستها الخارجية على غرار القضية الفلسطينية، التي دعا إلى إنصافها بتمكين الشعب الفلسطيني من جهود الإغاثة الموجهة إليه ووضع حدّ للجرائم الممنهجة المسلطة عليه، بإعلاء حقه غير القابل للتصرّف أو التقادم في إقامة دولته المستقلة والسيدة. وأسهب الرئيس تبون بمناسبة زيارة البابا، في التذكير بالمآسي التي مازال يعاني منها الشعب الفلسطيني في ظل الآلة الصهيونية التي مازالت تحصد الأرواح يوميا، وجعلها مجددا في الواجهة، عبر تقاسمه هذا الانشغال مع الحبر الأعظم المعروف بمواقفه الرافضة والمنددة بالحروب التي تعصف بأمن واستقرار عديد المناطق، فضلا عن موقفه الشجاع والإنساني من مأساة غزة والمآسي التي ابتليت بها منطقة الخليج ولبنان.ولا يمكن للتحوّلات الإقليمية الخطيرة التي يشهدها العالم، أن تستمر دون أن تحرك الضمائر الحية المتشبثة بالحق والإنصاف، حيث كان تواجد البابا بالجزائر التي يتقاسم معها نفس مبادئ وقيم السلم والحوار بمثابة رسالة للإنسانية لضرورة وضع حد للعنجهية التي تمارسها بعض القوى التي لا يهمها سوى بسط النفوذ والتكالب على الثروات حتى ولو كان ذلك على حساب كرامة الإنسان. وانطلاقا من هذا التوافق الذي تتميز بها مواقف الطرفين، أبى كل من رئيس الجمهورية والبابا ليون الرابع عشر إلا أن يذكرا الإنسانية انطلاقا من أرض الجزائر، أرض تلاقي الحضارات والانفتاح، بالأخلاقيات السامية التي تضمن التعايش بسلام ومحبة مع الآخرين، في وقت تحاول فيه بعض العقائد الدوس عليها، مع تأكيد التزامهما بدعم هذه القيم وترقيتها في مختلف الفضاءات الإقليمية.