أبواب مفتوحة للتعريف بآفاق التكوين والتجنيد    تطوير آليات مكافحة التهديدات الأمنية العابرة للحدود    متابعة ميدانية لمشروع طريق تندوف - ازويرات    إرساء نظام معلوماتي متكامل قائم على بيانات دقيقة    "حماس" تطالب بتدخل دولي عاجل    إيران تعلن عن فتح مضيق هرمز    ناميبيا تؤكد دعمها لحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير والاستقلال    تقديم خدمات نوعية ترقى لتطلّعات الحجاج    محمد عمورة أولوية نادي إيفرتون الإنجليزي    مشكلة جديدة لإسماعيل بن ناصر قبل الميركاتو الصيفي    "السياسي" يطيح برائد الترتيب    سيدي مزغيش تحتضن "ربيع سكيكدة للصناعة التقليدية"    الذكاء الاصطناعي والعلاج التفاعلي أدوات واعدة لتعزيز الإدماج    الطربوش العنابي.. تاج التراث والأفراح    الثقة في النفس وإعداد خطة محكمة    فتح فضاءات الإبداع أمام ذوي الهمم العالية    أسامة بن فورة يتوّج بلقب "شاعر سكيكدة"    رقمنة الأرشيف خطوة محورية لتثمين الذاكرة الجزائرية    رهان على الخصوصية الثقافية والاجتماعية للنهوض بالعمران    نظام معلوماتي لمتابعة التموين بالمواد الصيدلانية    زيارة البابا ليون الرابع عشر تعزز مكانة الجزائر كمنبر عالمي للسلام والحوار    تعزيز التعاون الجزائري-الأوكراني في الصناعات الغذائية محور لقاء بالجزائر    مشاركة برلمانية جزائرية في اجتماع المجموعة الجيوسياسية الإفريقية بتركيا    سوناطراك تبحث مع وفد كوري جنوبي سبل تعزيز الشراكة في قطاع المحروقات    دراسة مشروع أول مدينة استثمارية صناعية متكاملة ببوغزول    رئيس الجمهورية يودّع بابا الفاتيكان عقب زيارته الرسمية إلى الجزائر    بودن يدعو إلى مشاركة قوية في تشريعيات 2 يوليو    متربصو المدرسة العليا العسكرية للإعلام والاتصال في زيارة إلى المجلس الشعبي الوطني    زيارة البابا إلى عنابة: رسائل سلام وتعايش تعزز صورة الجزائر دوليًا    الحجّاج مدعوون لحضور فعاليات التكوين والتدريب    نشرية خاصة: أمطار رعدية مرتقبة بشرق البلاد مع تساقط للبرد    تعبئة ميدانية واسعة لمواجهة آثار التقلبات الجوية وضمان سلامة الطرقات    البابا ليون الرابع عشر يزور الموقع الأثري لهيبون بعنابة ويغرس رمزًا للسلام    وزيرة التجارة الداخلية تبحث انشغالات أصحاب المقاهي والحماصين وتعزيز استقرار النشاط التجاري    الاستفادة من الرواية الشفوية في التأريخ والفنون والآداب    مسرح النعامة يحتضن ملتقى وطنياً حول "إيديولوجيات الاستعلاء والمسرح"    وزير الصحة يؤكد تعزيز الحوار مع مهنيي القطاع وتطوير خدمات النقل والرعاية الصحية    تنظيم محكم وتحضيرات مبكرة لضمان موسم حج ناجح للجزائريين 2026    "لن يختبئ".. رسالة دعم لحيماد عبدلي بعد أزمته الأخيرة    كأس العالم للجمباز : كيليا نمور تهدي الجزائر ميدالية ذهبية جديدة    دورة اتحاد شمال إفريقيا لأقل من 17 سنة:المنتخب الجزائري يفوز على مصر ويتأهل للمرحلة النهائية    زروقي يترأس اجتماعاً "حاسماً" مع الشركاء الاجتماعيين    ضبط أزيد من 86 كلغ من الكيف المعالج    03 وفيات و 195 جرحا    نقل التجربة الجزائرية في تسيير مراكز "المقاولاتية" إلى النيجر    الدولة تراجع المنظومة القانونية تلبية لتطلعات المواطنين    أسرى فلسطين بين سيف الإعدام وصمت العالم    الخط المنجمي الشرقي يدخل مرحلة الإنجاز المكثف    الكنيست يمرر قانون إعدام الأسرى..؟!    وزير المجاهدين رفقة الوالي وثلة من المجاهدين يعيدون الأمجاد    زكاة الفطر من الألف إلى الياء..    هكذا نستقيم على الطاعة بعد رمضان..    أول ألقاب آيت نوري مع السيتي    التجربة الإسلامية التاريخية بنيت على المفهوم القرآني للعدل    كم يربح رونالدو من تهنئة العيد؟    هكذا نستقيم على الطاعة بعد رمضان..    هكذا كان صحابة رسول الله يحتفون بليلة العمر    ما شعورك وأنت تودع رمضان الكرم؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رحلات
نشر في النصر يوم 25 - 11 - 2013


عبد الرزاق بوكبة
أوراق عائد من الشارقة
ليس شرطا أن تصل إلى الإمارات العربية المتحدة، حتى تلمس أنك ولجت زمنا مختلفا، يذهب بشكل واع نحو المستقبل، بل إنك تلمس ذلك بمجرد أن تدخل الطائرة الإماراتية في مطار بلدك، حسن الاستقبال.. عفوية الكلام والابتسام.. سلطة التكنولوجيا في آخر صيحاتها، والإحساس بأن البعد الإنساني توأم البعد التجاري في التعامل معك: طائرة في مستوى السماء فعلا. تعمّدت وأنا أودع حقيبتي لتحلق بعيدا عني أن أستبقي روايتين لأقرأهما عاليا على مسافة خمسة وثلاثين قدما عن الأرض، روايتي الصادرة حديثا «ندبة الهلالي» و»ساق البامبو» للكويتي سعود السنعوسي الفائز بالبوكر العربية في طبعتها الأخيرة، لست أدري ما الذي حدث حتى فضلت الشروع بالثانية، لم يكن السنعوسي روائيا عاديا في ساق البامبو، كما قال لي أكثر من صديق كاتب بعد الإعلان عن فوزه، إلى متى نبقى نحن العرب نجعل من صغر السن معيارا للاستبعاد؟ وقد لاحظت أننا لم نُشفَ من هذا الداء حتى بعد الثورات العربية التي اندلعت على أيدي الشباب. طاقم الطائرة الأجنبي كان شابا ومبدعا ومحرضا على الراحة والشعور بالأمان.
لم تتخلف الطائرة الإماراتية عن الانطلاق في الوقت المحدد لها، ولم أتخلف عن الشروع في التهام الرواية، أقرّ للأمانة بأنها هي من التهمني، لذلك لم أنتبه للمضيفة وهي تخيرني بين الشامبانيا والعصير بإنجليزية حلوة، من هنا بدأ اختباري لسنة من تعلمي للغة الإنجليزية في مدرسة خاصة في مدينة الرويبة رفقة الكاتبين الخير شوار وعبد الحميد إيزة، من الصعب جدا أن تقضي حاجتك في الفضاء الإماراتي ما عدا الإدارات الرسمية، إذا كنت لا تحسن الإنجليزية، قلت مازحا لأحدهم: تتهموننا نحن الجزائريين بأننا غارقون في الفرنسية، وها أنتم غارقون في الإنجليزية كأنها لغة أجدادكم، فأجابني بذكاء: انتشار الإنجليزية في الفضاء الإماراتي هو مظهر من مظاهر ذهابنا نحو المستقبل، فمن أي باب تنتشر الفرنسية في الفضاء الجزائري؟
أسوأ ما جنيت من قراءة ساق البامبو أنني كنت أرى في كل عاملة أجنبية أحتكّ بها في الفضاء الإماراتي حكاية، خاصة الفلبينيات، لذلك فقد كن يندهشن من كوني أسألهن عن حياتهن لا عن حاجاتي، وهو الأمر الذي لم يتعودن عليه. تشبه العاملة الأجنبية نحلة، لا تكف عن الحركة والابتسام، ولم يمنع ما خلفه إعصار الفلبين من غموض بخصوص مصير عائلات بعضهن من أن تكون الخدمة ودودة ومحترفة.
ما أن نزلتُ من الطائرة في مطار دبي متوجها إلى الحافلة التي نقلت الركاب إلى داخل المطار حتى لمحت المبدع احميدة عياشي، كانت الساعة الواحدة فجرا، وكان احميدة نشيطا كعادته، ألا تتعب يا رجل؟ قلت له، فقال لي: الآن سأتعب بعد أن أشرع في المقارنة، تجنبنا المقارنة، وخضنا حديثا عن الوقت المتفلت في الجزائر العاصمة، وقد أملى علينا هذا الحديثَ أننا وجدنا فسحة للقراءة وسماع الموسيقى على مدار سبع ساعات في الطائرة، أسوأ زمن هو الذي يعطيك انطباعَ أنك لا تملك وقتا، فتتخلى عن رغباتك، لصالح ما يبدو أولوياتٍ ثم تنتبه في النهاية إلى أنك لم تحقق الإثنتين.
بقي عياشي في دبي فيما (طارت) بي سيارة خاصة إلى هيلتون الشارقة، كل فعل هنا يتحقق بسرعة، وهي السرعة التي لم تمنحني الوقت الكافي لمشاهدة كافة جنبات المطار الذي قدّم نفسه على أنه مدينة في حد ذاتها، وقد تأكدت من هذا أثناء رحلة العودة، حيث بكّرتُ من أجل ذلك.
قلت للسائق الباكستاني: كم تبعد الشارقة عن دبي؟ قال: عشرون دقيقة على الأكثر.. هنا يقاس الزمن بالدقائق لا بالكيلومترات، ويعرف الحد الفاصل بين إمارة وأخرى بممرات الكترونية تتوفر على أجهزة متطورة تخصم من السيارة أربعة دراهم، كنت أظن أننا سنتوقف عند حاجز شرطة لندفع ذلك، لكن السائق أفهمني أن الأمر يتم الكترونيا بشكل عفوي، ومنذها إلى أن غادرت البلد لم أشاهد شرطيا واحدا ما عدا مرة عند مدخل معرض الكتاب.. هنا يتم تسيير الحياة وفق نظام دقيق من غير اللجوء إلى الشرطة.
لم تدم إجراءات دخولي إلى غرفتي في فندق هيلتون الشارقة إلا دقيقتين، ولم أحقق رغبتي في أن أنام باكرا حتى أصحو باكرا إلا بعد ساعة، ذلك أنني كنت مأخوذا بمشاهدة المدينة من وراء الزجاج، وهي تحول الليل إلى فرح ساطع، وبقراءة الصحف المحلية التي وجدتها على الطاولة، هل أنا بصدد قراءة صحيفة أم بمباشرة رحلة جميلة في نبض الحياة.. فعلا، تشبه قراءة صحيفة إماراتية سفرا مدهشا في الإنسان والمكان. نمت على خبر منع إحدى دور النشر من المشاركة في معرض الكتاب بسبب أنها نشرت كتابا لم تلتزم بشراء حقوقه من الدار الأصلية، وهذا من تجليات احترافية المعرض كما أخبرني مديره الأستاذ أحمد بن ركاض العامري في لقاء خاص بعد يومين.
صحوت على التعدد يوم الإثنين 11 نوفمبر.. تعدد في وجبات الفطور.. تعدد في الوجوه المتوفرة في الفضاء واللغات التي تستعملها.. تعدد في وسائل الاتصال.. تعدد في الطرق الموصلة إلى معرض الكتاب: صباح الخير أيتها الحياة.
أول ما واجهني وأنا ألج قصر المعارض وسط الشارقة المعروف بالإكسبو مشهد تؤثثه الحافلات موحدة اللون.. كانت صفراءَ، والمخصصة لجلب تلاميذ الأطوار التعليمية كلها إلى المعرض، ليشهدوا منافعَ لهم، كما قال لي علي الشاب المكلف بمرافقتي، كانوا كثيرين وموحّدي اللباس، بعضهم يستعدّ للدخول إلى المعرض في نظام بارز، وبعضهم قضى حاجته من الطواف على أجنحته التي تفوق الألف، فتحلقوا في ساحة القصر يستعرضون مقتنياتهم، لم أنتبه فانخرطت في صفوفهم، ورحت أبحث في وجوه الصغيرات عن الشبيهات بابنتي علياء، تركتها تبكي حين غادرتُ البيت إلى المطار، لم ألمس نفورا منهم، حتى أنهم عانقوني، وتحلقوا حولي لأخذ صورة، رغم أنني أرتدي لباسا أجنبيا بما يوحي أنني لست إماراتيا، وقد كان هذا السلوك من بين أول مظاهر التفتح التي لمستها في البلد، والتي سأرصدها في ورقة أخرى، ترصد تفاصيلَ رحلتي إليه. قادني فضولي إلى محاولة معرفة طبيعة الكتب التي اشتروها، فوجدت أن ذلك خضع للذوق الخاص للتلميذ، ولتوجيه من المدرسة، هناك مدرسة توجّه في هذه الأرض، وتتابع تلميذها، وإن العنوان الكبير الذي يلخص معاينة ما اشتروه من كتب: الذهاب إلى المستقبل.
دخلت فضاء المعرض، فأجّلتُ الذهاب إلى دور النشر التي تعنيني، أو التوجه إلى مكتب الاستقبال للسلام على المنظمين وشكرهم على الدعوة، مواصلا تتبع خطوات الصغار.. ووجدتني أسأل نفسي: من الصغير منا؟ لقد كانوا يتعاملون فيما بينهم بعيدا عن الخشونة، يمشون برزانة.. يتواصلون مع الأجانب بإنجليزية لطيفة.. يردون على مكالمات أسرهم بلهجة إماراتية حلوة، لقد لاحظت أن الواحد منهم يتلقى مكالمة من أسرته في كل نصف ساعة تقريبا، هناك أسرة تتابع طفلها.. توفر له المال لتحقيق رغباته، فقد كانوا يدفعون على الأكل والكتب براحة واضحة، وهنا لا بد من التركيز على ملاحظة فيها الكثير من الرمزية: لقد توحدوا في اللباس لتكريس هوية يعتزون بها، واختلفوا في طبيعة الأجهزة الالكترونية التي لا تخلو يدُ تلميذٍ منها.
لم أتعبْ في إيجاد ما أريده من دور نشرٍ أو قاعات نشاط، أو عناوين كتب، فالألواح الاكترونية المتوفرة في الجنبات تكفلت بإرشادي إلى الدقيق من رغباتي، صاحبتها مكاتبُ توجيه كثيرة يشرف عليها شباب يحسنون الكلام والابتسام، كان يُسْرُ الوصول إلى المعلومة هو القائد العام لخطواتي، وإن حدث أن نسيت نشاطا كنت أنوي حضوره مسبقا، فإن هناك أكثر من إجراء لتذكيري به، كأن تصلني رسالة الكترونية من مكتب الإعلام، أو أسمع نداءً من الإذاعة الداخلية للمعرض، أو أقرأ ذلك في الألواح الالكترونية المعلقة، لم يفتني نشاط واحد بسبب أنني نسيته أو أنني لم أستطع الوصول إليه، كما لم أجد صعوبة في الوصول إلى دار نشرٍ كنت أقصدها لذاتها.
يدرك العاملون في مكتب الإعلام التابع للمعرض ما معنى البعد العالمي له، لذلك فهم يوصلون أدق تفاصيله إلى الإعلاميين في كل وقت، وبكل اللغات، وعبر كل الوسائل، لقد تعاملوا مع الصحفي على أنه شريك لا ضيف فقط، لذلك فقد لاحظت وأنا أتابع الإعلام المحلي والدولي خاصة المكتوب منه أن أصداء التظاهرة وصلت إلى قطاع واسع منه.
إن التعامل مع الكتاب بعيدا عن اللمسة الجمالية يجعله يشبه التعامل مع أية سلعة عادية، وهذه إساءة إليه وإلى أهله.. أهل الكتاب كتابا وقارئين وناشرين، ولا شك في أن القائمين على المعرض الدولي للكتاب في الشارقة ينطلقون من هذه القناعة في تأثيث الفضاء جماليا، جمال الأجنحة.. جمال السجاد.. جمال اللوحات الإشهارية.. جمال الخطوط المستعملة في الكتابة.. جمال المطويات والملصقات والنشريات.. جمال الأصوات المعلنة عن تفاصيل المعرض.. جمال منصات النشاطات الثقافية.. جمال أزياء العمال المكلفين بالنظافة والإرشاد.. الكتاب في عرس، فلا مجال للرداءة والبشاعة فيه.
ليس معرض الكتاب هو النافذة الوحيدة التي يطل منها المهتمون على مبدعي العالم ومبدعاته في الشارقة، بل هو حلقة في سلسلة سنوية طويلة وثرية، تصور أنك تقيم في مدينة تصحو فيها صباحا، فتجد صعوبة في اختيار النشاط الذي تذهب إليه لكثرة الأنشطة التي تعنيك.. هنا يتعب الإنسان في المفاضلة بين النشاطات على مدار العام، مثلما تعبتُ أنا على مدار أسبوع في المفاضلة بين نشاطات معرض الكتاب، لقد حدث أن بقيت نصف ساعة أناقش فيها نفسي في طبيعة النشاط الذي أختاره بناء على أولوياتي، أكثر من خمسمائة فعالية فكرية وفنية وثقافية وأدبية وإعلامية خلال عشرة أيام فقط.
لقد تعمّدت وأنا أكتب هذه الانطباعات وسأفعل الشيء نفسه وأنا أكتب باقي تفاصيل رحلتي الإماراتية أن أتجنب المقارنة حتى لا أشوش على نفسي وعلى القارئ، فأعظم درس تعلمه القوم هنا هو: نافس... لا تقارن.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.